ب - إذا وجدت شروط الحجّ مع صحّة البدن فتأخّر حتّى أصيب بعاهة تمنعه من الحجّ ولا يرجى زوالها فالحجّ واجب عليه اتّفاقا ، ويجب عليه أن يرسل شخصا يحجّ عنه باتّفاق العلماء . أمّا إذا أصيب بعاهة يرجى زوالها فلا تجوز الإنابة ، بل يجب عليه الحجّ بنفسه عند زوالها عنه .
الخصلة الثّالثة: أمن الطّريق:
21 -أمن الطّريق يشمل الأمن على النّفس والمال ، وذلك وقت خروج النّاس للحجّ ، لأنّ الاستطاعة لا تثبت دونه . ووقع الخلاف في أمن الطّريق كما في صحّة البدن: فمذهب المالكيّة والشّافعيّة ورواية أبي شجاع عن أبي حنيفة ورواية عن أحمد أنّه شرط الوجوب . لأنّ الاستطاعة لا تتحقّق بدون أمن الطّريق . وفي رواية أخرى عند أبي حنيفة وأحمد ، وهو الأصحّ عند الحنفيّة ورجّحه المتأخّرون من الحنفيّة والحنابلة أنّ أمن الطّريق شرط للأداء بالنّفس لا لأصل الوجوب . واستدلّوا بنحو أدلّتهم في إيجاب الحجّ على من فقد شرط صحّة البدن . وعلى هذا المذهب الأخير من استوفى شروط الحجّ عند خوف الطّريق فمات قبل أمنه يجب عليه أن يوصي بالحجّ . أمّا إذا مات بعد أمن الطّريق فتجب عليه الوصيّة بالحجّ عنه اتّفاقا .
الخصلة الرّابعة: إمكان السّير:
22 -إمكان السّير أن تكمل شرائط الحجّ في المكلّف والوقت متّسع يمكنه الذّهاب للحجّ . وهذا شرط لأصل الوجوب عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وشرط للأداء عند الحنابلة . وعبّر الحنفيّة عن هذا الشّرط بالوقت . وجعله بعضهم شرطا مفردا من شرائط وجوب الحجّ . وفسّروا هذا الشّرط بأنّه أشهر الحجّ ، أو وقت خروج أهل بلده إن كانوا يخرجون قبلها ، فلا يجب الحجّ إلاّ على القادر فيها ، أو في وقت خروجهم . وفسّر غيرهم إمكان السّير بوقت الخروج للحجّ . 23 - واستدلّ الجمهور على أنّ إمكان السّير شرط لوجوب الحجّ بالآتي:
أ - أنّ إمكان السّير من لواحق الاستطاعة وهي شرط لوجوب الحجّ .
ب - أنّ ذلك بمنزلة دخول وقت الوجوب ، كدخول وقت الصّلاة ، فإنّها لا تجب قبل وقتها ، إلاّ أنّ ذلك يختلف باختلاف البلدان ، فيعتبر وقت الوجوب في حقّ كلّ شخص عند خروج أهل بلده ، فالتّقييد بأشهر الحجّ في الآية إنّما هو بالنّسبة إلى أهل أمّ القرى ومن حولها ، وللإشعار بأنّ الأفضل أن لا يقع الإحرام فيما قبلها على مقتضى قواعد الحنفيّة من أنّ الإحرام شرط ، خلافا للشّافعيّة من أنّه لا يجوز الإحرام قبل الأشهر لكونه ركنا » . واستدلّ الحنابلة على أنّ إمكان السّير شرط للّزوم أداء الحجّ بنفسه بأنّه يتعذّر الأداء دون القضاء ، كالمرض المرجوّ برؤه ، وعدم الزّاد والرّاحلة يتعذّر معه الجميع .
القسم الثّاني: الشّروط الخاصّة بالنّساء:
24 -ما يخصّ النّساء من شروط الاستطاعة شرطان لا بدّ منهما لكي يجب الحجّ على المرأة يضافان إلى خصال شرط الاستطاعة الّتي ذكرناها . هذان الشّرطان هما: الزّوج أو المحرم ، وعدم العدّة . أوّلا - الزّوج أو المحرم الأمين:
25 -يشترط أن يصحب المرأة في سفر الحجّ زوجها أو محرم منها ، إذا كانت المسافة بينها وبين مكّة ثلاثة أيّام ، وهي مسيرة القصر في السّفر ، وإلى هذا ذهب الحنفيّة والحنابلة . واستدلّوا بحديث ابن عمر أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: { لا تسافر المرأة ثلاثا إلاّ ومعها ذو محرم } . وتوسّع الشّافعيّة والمالكيّة فسوّغوا الاستبدال بالمحرم: ذهب الشّافعيّة إلى أنّها إن وجدت نسوة ثقات: اثنتين فأكثر تأمن معهنّ على نفسها كفى ذلك بدلا عن المحرم أو الزّوج بالنّسبة لوجوب حجّة الإسلام على المرأة . وعندهم"الأصحّ أنّه لا يشترط وجود محرم لإحداهنّ ، لأنّ الأطماع تنقطع بجماعتهنّ . فإن وجدت امرأة واحدة ثقة فلا يجب عليها الحجّ ، لكن يجوز لها أن تحجّ معها حجّة الفريضة أو النّذر ، بل يجوز لها أن تخرج وحدها لأداء الفرض أو النّذر إذا أمنت . وزاد المالكيّة توسّعا فقالوا: المرأة إذا لم تجد المحرم أو الزّوج ولو بأجرة تسافر لحجّ الفرض أو النّذر مع الرّفقة المأمونة ، بشرط أن تكون المرأة بنفسها هي مأمونة أيضا . والرّفقة المأمونة جماعة مأمونة من النّساء ، أو الرّجال الصّالحين . قال الدّسوقيّ: وأكثر ما نقله أصحابنا اشتراط النّساء » . أمّا حجّ النّفل فلا يجوز للمرأة السّفر له إلاّ مع الزّوج أو المحرم فقط اتّفاقا ، ولا يجوز لها السّفر بغيرهما ، بل تأثم به ."
( نوع الاشتراط للمحرم ) :
26 -اختلفوا في الزّوج أو المحرم هل هو شرط وجوب أو شرط للزوم الأداء بالنّفس: ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة في الرّاجح عندهم وهو رواية عن أبي حنيفة إلى أنّ المحرم شرط لوجوب الحجّ ، ويحلّ محلّه عند فقده الرّفقة المأمونة عند الشّافعيّة والمالكيّة على الوجه الّذي ذكرناه . والرّاجح عند الحنفيّة أنّ الزّوج أو المحرم شرط للّزوم الأداء بالنّفس . وأدلّة الفريقين هي ما سبق الاستدلال به في صحّة البدن وأمن الطّريق ( ف 19 و 21 ) .
( المحرم المشروط للسّفر ) 27 - المحرم الأمين المشروط في استطاعة المرأة للحجّ هو كلّ رجل مأمون عاقل بالغ يحرم عليه بالتّأبيد التّزوّج منها سواء كان التّحريم بالقرابة أو الرّضاعة أو الصّهريّة ... ونحو ذلك يشترط في الزّوج عند الحنفيّة والحنابلة بزيادة شرط الإسلام في المحرم . وقال المالكيّة بذلك في حقيقة المحرم لكن لا يشترط في المحرم البلوغ بل التّمييز والكفاية . وعند الشّافعيّة: يكفي المحرم الذّكر ، وإن لم يكن ثقة فيما يظهر ، لأنّ الوازع الطّبيعيّ أقوى من الشّرعيّ ، إذا كان له غيرة تمنعه أن يرضى بالزّنى » .