فهرس الكتاب

الصفحة 838 من 2053

114 -ذهب الجمهور ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) إلى مشروعيّة الحجّ عن الغير وقابليّته للنّيابة ، وذهب مالك على المعتمد في مذهبه إلى أنّ الحجّ لا يقبل النّيابة لا عن الحيّ ولا عن الميّت ، معذورا أو غير معذور . وقالوا: إنّ الأفضل أن يتطوّع عنه وليّه بغير الحجّ ، كأن يهدي أو يتصدّق عنه ، أو يدعو له ، أو يعتق . استدلّ الجمهور على مشروعيّة حجّ الإنسان عن غيره بالسّنّة الثّابتة المشهورة ، وبالعقل . أمّا السّنّة: فمنها حديث ابن عبّاس رضي الله عنه قال: { جاءت امرأة من خثعم عام حجّة الوداع ، قالت: يا رسول اللّه: إنّ فريضة اللّه على عباده في الحجّ أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على الرّاحلة ، فهل يقضي عنه أن أحجّ عنه ؟ قال: نعم } . وعن ابن عبّاس أيضا: { أنّ امرأة من جهينة جاءت إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: إنّ أمّي نذرت أن تحجّ فلم تحجّ حتّى ماتت أفأحجّ عنها ؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم حجّي عنها ، أرأيت لو كان على أمّك دين أكنت قاضيته ؟ .. اقضوا اللّه ، فاللّه أحقّ بالوفاء } . وأمّا العقل ، فقال الكمال بن الهمام: وكان مقتضى القياس أن لا تجري النّيابة في الحجّ ، لتضمّنه المشقّتين البدنيّة والماليّة ، والأولى لم تقم بالآمر ، لكنّه تعالى رخّص في إسقاطه بتحمّل المشقّة الأخرى ، أعني إخراج المال عند العجز المستمرّ إلى الموت ، رحمة وفضلا ، وذلك بأن يدفع نفقة الحجّ إلى من يحجّ عنه ، بخلاف حال القدرة فإنّه لم يعذره لأنّ تركه ليس إلاّ لمجرّد إيثار راحة نفسه على أمر ربّه ، وهو بهذا يستحقّ العقاب ، لا التّخفيف في طريق الإسقاط ، وإنّما شرط دوامه ( أي العذر ) إلى الموت لأنّ الحجّ فرض العمر ..."وقال ابن قدامة: هذه عبادة تجب بإفسادها الكفّارة ، فجاز أن يقوم غير فعله فيها مقام فعله ، كالصّوم إذا عجز عنه افتدى بخلاف الصّلاة » . وأخذ المالكيّة بالأصل ، وهو عدم جريان النّيابة في العبادة البدنيّة ، كالصّوم ."

شروط الحجّ الفرض عن الغير: أوّلا - شروط وجوب الإحجاج:

115 -يتضمّن ذلك شروط الأصيل المحجوج عنه لحجّة الفرض . يشترط لوجوب الإحجاج عن المكلّف عند الجمهور - خلافا للمالكيّة -: العجز عن أداء الحجّ الواجب عليه . ويشمل ذلك ما يلي:

أ - كلّ من وجب عليه الحجّ وهو قادر على الحجّ بنفسه وحضره الموت يجب عليه الوصيّة بالإحجاج عنه عند الحنفيّة . سواء حجّة الإسلام ، أو النّذر ، أو القضاء . ولم يوقف الشّافعيّة وجوب الإحجاج عنه على الوصيّة إجراء للحجّ مجرى الدّيون . أمّا المالكيّة: فلا يوجبون عليه الوصيّة ، ولا يسقط عنه الفرض بأداء الغير عنه - كما هو أصل مذهبهم الّذي عرفناه - لكن إذا أوصى نفذت وصيّته ، وإن لم يوص لم يرسل من يحجّ عنه .

ب - من توفّرت فيه سائر شروط وجوب الحجّ واختلّ شيء من شروط الأداء بالنّفس ، يجب عليه أن يحجّ عن نفسه ، أو يوصي بالإحجاج عنه إذا لم يرسل من يحجّ عنه .

ج - من توفّرت فيه شروط وجوب الحجّ بنفسه فلم يحجّ حتّى عجز عن الأداء بنفسه يجب عليه أن يحجّ عنه في حال حياته ، أو يوصي بالإحجاج عنه بعد موته . ويتحقّق العجز بالموت ، أو بالحبس ، والمنع ، والمرض الّذي لا يرجى زواله كالزّمانة والفالج ، والعمى والعرج ، والهرم الّذي لا يقدر صاحبه على الاستمساك ، وعدم أمن الطّريق ، وعدم المحرم بالنّسبة للمرأة ، إذا استمرّت هذه الآفات إلى الموت .

ثانيا: شروط النّائب عن غيره في الحجّ:

116 -اشترط الشّافعيّة والحنابلة لإجزاء الحجّ الفرض عن الأصيل أن يكون النّائب قد حجّ حجّة الإسلام عن نفسه أوّلا ، وإلاّ كانت الحجّة عن نفسه ، ولم تجزئ عن الأصيل ، وهو قول الأوزاعيّ وإسحاق بن راهويه . واكتفى الحنفيّة بأهليّة المأمور لصحّة الحجّ ، بأن يكون مسلما عاقلا ، فأجازوا أن يكون المأمور لم يحجّ عن نفسه حجّة الإسلام ( وهو المسمّى صرورة ) ، وأجازوا حجّ العبد ، والمراهق عن غيرهم ، وتصحّ هذه الحجّة البدليّة وتبرأ ذمّة الأصيل ، مع الكراهة التّنزيهيّة بالنّسبة للآمر ، والكراهة التّحريميّة بالنّسبة للمأمور إن كان تحقّق وجوب الحجّ عليه . ونحو ذلك عند المالكيّة في الحجّ عن الميّت يصحّ على القول بوجوب الحجّ على التّراخي عندهم ، أمّا على وجوبه على الفور فيحرم الحجّ عنه . استدلّ الأوّلون: بما أخرج أبو داود وابن ماجه عن ابن عبّاس رضي الله عنهما { أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: لبّيك عن شبرمة . قال: من شبرمة ؟ قال: أخ لي ، أو قريب لي . قال: حججت عن نفسك ؟ قال: لا . قال: حجّ عن نفسك ، ثمّ حجّ عن شبرمة } . واستدلّ الحنفيّة بإطلاق حديث الخثعميّة السّابق ، فإنّه صلى الله عليه وسلم قال لها: { حجّي عن أبيك } من غير استخبارها عن حجّها لنفسها قبل ذلك ، وترك الاستفصال يتنزّل منزلة عموم المقال .

ثالثا: شروط صحّة الحجّ الواجب عن الغير:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت