12 -يجوز عند الشّافعيّة والحنابلة أن يكون الانتفاع بالحرفة مهرا ، فيصحّ أن يتزوّج الرّجل المرأة على عمل معلوم كخياطة ثوب معيّن ، وبناء دار وتعليم صنعة وغير ذلك من كلّ ما هو مباح ، ويجوز أخذ الأجرة عليه لقوله تعالى حكاية عن شعيب مع موسى عليهما الصلاة والسلام: { إنّي أريد أن أنكحك إحدى ابنتيّ هاتين على أن تأجرني ثماني حجج } . ولأنّ منفعة الحرّ يجوز أخذ العوض عنها في الإجارة فجازت صداقا وعند الحنفيّة خلاف ملخّصه أنّ ما هو مال أو منفعة يمكن تسليمها يجوز التّزوّج عليها ، وما لا يمكن تسليمه لا يجوز ولذلك لا يجوز أن يتزوّج الحرّ على خدمته إيّاها سنة ، لأنّ موضوع الزّوجيّة أن تكون هي خادمة له لا بالعكس . لأنّ خدمة الزّوج لزوجته - كما قيل قلب للأوضاع - لأنّ المفروض أن تخدمه هي لا العكس . وأمّا إذا سمّى إيجار بيت أو غير ذلك من منافع الأعيان فإنّ هذا جائز عندهم . وأمّا ما تردّد بين أن يكون خدمة أو لا كرعي غنمها أو زراعة أرضها ، فإنّ الرّوايات قد اختلفت في ذلك ، كما اختلفوا فيما هو الأرجح . وقالوا: إذا تزوّج الحرّ امرأة على أن يخدمها هو سنة مثلا فهذه التّسمية عند الشّيخين فاسدة والعقد صحيح ووجب عليه إمّا مهر المثل في بعض الرّوايات ، أو قيمة خدمته المدّة المنصوص عليها في عقد الزّواج . كذلك اختلف المالكيّة في جعل الصّداق خدمته لها في زرع أو في بناء دار أو تعليمها فمنعه مالك وهو المعتمد في المذهب ، وكرهه ابن القاسم وأجازه أصبغ . قال اللّخميّ: وعلى قول مالك يفسخ النّكاح قبل البناء ويثبت بعده بصداق المثل . وقال ابن الحاجب على القول بالمنع: النّكاح صحيح قبل البناء وبعده ، ويمضي بما وقع به من المنافع للاختلاف فيه . وهذا هو المشهور .
ثامنا: شهادة أهل الحرف:
13 -اتّفق الفقهاء على ردّ شهادة صاحب الحرفة المحرّمة كالمنجّم والعرّاف ، وكذلك صاحب الحرفة الّتي يكثر فيها الرّبا كالصّائغ والصّيرفيّ إذا لم يتوقّيا ذلك . واختلفوا في قبول شهادة أصحاب الحرف الدّنيئة ، كالحائك ، والحجّام ، والزّبّال . فالأصحّ عند الحنفيّة والشّافعيّة وهو مذهب المالكيّة وفي وجه عند الحنابلة أنّه تقبل شهادتهم ، لأنّه قد تولّى هذه الحرف قوم صالحون فما لم يعلم القادح لا يبنى على ظاهر الصّناعة ، فالعبرة للعدالة لا للحرفة ، فكم من دنيء الصّناعة أتقى من ذي منصب ووجاهة ، وقد قال اللّه تعالى: { إنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم } . لكن يقول المالكيّة والشّافعيّة: إذا كان من يقوم بهذه الحرف ممّن لا تليق به ، ورضيها اختيارا بأن كان من غير أهلها ولم يتوقّف قوته وقوت عياله عليها لم تقبل شهادته ، لأنّ ذلك يدلّ على قلّة المبالاة وعلى خبل في عقله ، وتقبل إن كان من أهلها أو اضطرّ إليها . ومقابل الأصحّ عند الحنفيّة والشّافعيّة والوجه الآخر عند الحنابلة أنّه لا تقبل شهادتهم ، لأنّ القيام بهذه الحرف يسقط المروءة وخاصّة إذا كان في الحرفة مباشرة النّجاسة . كما أنّ شهادة الأجير الخاصّ لمستأجره لا تقبل ، لأنّ المنافع بينهم متّصلة ، ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: { لا تجوز شهادة الوالد لولده ، ولا الولد لوالده ، ولا المرأة لزوجها ، ولا الزّوج لامرأته ، ولا العبد لسيّده ، ولا السّيّد لعبده ، ولا الشّريك لشريكه ، ولا الأجير لمن استأجره } . ولأنّ الأجير يستحقّ الأجرة في مدّة أداء الشّهادة ، فصار كالمستأجر لأداء الشّهادة . وهذا عند الحنفيّة والحنابلة . وتقبل شهادته لمستأجره عند المالكيّة إن كان الأجير مبرّزا في العدالة ولم يكن في عيال المشهود له .
تاسعا: بيع آلة الحرفة على المفلس وإجباره على الاحتراف:
14 -من الأحكام الّتي تتعلّق بالحجر على المفلس بيع ماله لسداد ديون الغرماء . وقد اختلف الفقهاء في بيع آلة الحرفة للمحترف . فعند الشّافعيّة تباع آلة حرفته لسداد ديونه . وهو رأي المالكيّة إن كثرت قيمتها أو لم يحتج إليها . فإن كان محتاجا لها أو قلّت قيمتها فلا تباع . وقال الحنابلة: تترك له آلة حرفته ولا تباع . ولم يعثر على نصّ في ذلك عند الحنفيّة . وإذا فرّق مال المفلس على الغرماء وبقيت عليه ديون ، وكانت له صنعة فهل يجبره الحاكم على التّكسّب أو إيجار نفسه ليقضي دينه ؟ ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وهو رواية عند الحنابلة إلى أنّه لا يجبر على ذلك ، ولا يلزم بتجر أو عمل أو إيجار نفسه لتوفية ما بقي عليه لغرمائه من ديونهم ، لأنّ الدّيون إنّما تعلّقت بذمّته لا ببدنه لقوله تعالى: { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } ، ولما روى أبو سعيد { أنّ رجلا أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: تصدّقوا عليه فتصدّق النّاس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلاّ ذلك } ، ولأنّ هذا تكسّب للمال ، فلا يجبره عليه الحاكم ، كقبول الهبة والصّدقة . وقال اللّخميّ من المالكيّة: يجبر الصّانع - لا التّاجر - على العمل إن كان غرماؤه قد عاملوه على ذلك . والرّواية الثّانية للحنابلة أنّ الحاكم يجبره على الكسب .
عاشرا: تضمين أصحاب الحرف:
15 -اتّفق الفقهاء على أنّ صاحب الحرفة يضمن ما هلك في يده من مال ، أو ما هلك بعمله إذا كان الهلاك بسبب إهمال منه أو تعدّ ، وسواء أكان أجيرا خاصّا أم أجيرا مشتركا ، أمّا ما هلك بغير تعدّ أو تفريط فلا ضمان عليه في الجملة . وينظر تفصيل ذلك في مصطلحي ( إجارة ف 107 - 133 وضمان )
حادي عشر: التّسعير على أهل الحرف: