9 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّ من دخل الحرم مقاتلا وبدأ القتال فيه ، يقاتل ، لقوله تعالى: { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتّى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم } . وكذلك من ارتكب في الحرم جريمة من جرائم الحدود أو القصاص ممّا يوجب القتل فإنّه يقتل فيه اتّفاقا لاستخفافه بالحرم ، كما سيأتي في الفقرة التّالية . واختلفوا في قتال الكفّار والبغاة على أهل العدل في الحرم إذا لم يبدءوا بالقتال . فذهب طاووس والحنفيّة ، وهو قول ابن شاس وابن الحاجب من المالكيّة ، وصحّحه القرطبيّ ، وقول القفّال والماورديّ من الشّافعيّة ، وبعض الحنابلة إلى أنّه يحرم قتالهم في الحرم مع بغيهم . ولكنّهم لا يطعمون ولا يسقون ولا يؤوون ولا يبايعون حتّى يخرجوا من الحرم ، لقوله تعالى: { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتّى يقاتلوكم فيه } قال مجاهد: الآية محكمة ، فلا يجوز قتال أحد إلاّ بعد أن يقاتل . لقوله تعالى: { أولم يروا أنّا جعلنا حرما آمنا } . ولقوله صلى الله عليه وسلم: { إنّ هذا البلد حرّمه اللّه تعالى يوم خلق السّموات والأرض ، فهو حرام بحرمة اللّه تعالى إلى يوم القيامة ، وإنّه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحلّ لي إلاّ ساعة من نهار } . وقال الشّافعيّة في المشهور عندهم وصوّبه النّوويّ: إنّه إذا التجأ إلى الحرم طائفة من الكفّار والعياذ باللّه ، أو طائفة من البغاة ، أو قطّاع الطّريق يجوز قتالهم في الحرم فقد ورد عن أبي شريح العدويّ عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: { إنّ مكّة حرّمها اللّه ولم يحرّمها النّاس ، فلا يحلّ لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك بها دما ، ولا يعضد بها شجرة . فإن أحد ترخّص لقتال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقولوا له: إنّ اللّه أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم ولم يأذن لكم ، وإنّما أذن لي ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس } . وهذا قول سند وابن عبد البرّ من المالكيّة ، وصوّبه ابن هارون في الحاصر من الحجّ ، وحكى الحطّاب عن مالك جواز قتال أهل مكّة إذا بغوا على أهل العدل ، قال: وهو قول عكرمة وعطاء . وهذا قول للحنابلة أيضا ، فقد جاء في تحفة الرّاكع والسّاجد: فإن بغوا على أهل العدل قاتلهم على بغيهم إذا لم يمكن ردّهم عن البغي إلاّ بالقتال . واستدلّ من أجاز القتال في الحرم بقوله تعالى: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } وقالوا: إنّ هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } . وقالوا أيضا: { إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دخل مكّة وعليه المغفر ، فقيل: إنّ ابن خطل متعلّق بأستار الكعبة فقال: اقتلوه } . وأجابوا عن الأحاديث الواردة في تحريم القتال بمكّة أنّ معناها تحريم نصب القتال عليهم بما يعمّ كالمنجنيق وغيره إذا أمكن إصلاح الحال بدون ذلك . ولأنّ قتال أهل البغي من حقوق اللّه تعالى الّتي لا يجوز أن تضاع ، ولأن تكون محفوظة في حرمه أولى من أن تكون مضاعة فيه .
ج - قطع نبات الحرم: