13 -اتّفق الفقهاء على أنّه يحرم في الحرم صيد الحيوان البرّيّ ، وهو ما يكون توالده وتناسله في البرّ دون البحريّ وهو ما يكون توالده في البحر . والمراد بصيد الحيوان البرّيّ أن يكون الحيوان متوحّشا في أصل الخلقة ، ولو صار مستأنسا ، نحو الظّبي المستأنس . ويستوي عند الحنفيّة والمالكيّة أن يكون مأكول اللّحم أو غير مأكول اللّحم . وقيّده الشّافعيّة والحنابلة بأن يكون مأكول اللّحم ، فلا يحرم صيد الحيوان البرّيّ غير مأكول اللّحم عندهم . ودليل حرمة صيد الحرم قوله صلى الله عليه وسلم: { إنّ هذا البلد حرّمه اللّه تعالى يوم خلق السّموات والأرض } إلى قوله: { لا يختلى خلاها ولا يعضد شوكها ولا ينفّر صيدها } . وحرمة صيد الحرم تشمل المحرم والحلال ، كما تشمل الحرمة إيذاء الصّيد أو الاستيلاء عليه وتنفيره أو المساعدة على الصّيد بأيّ وجه من الوجوه ، مثل الدّلالة عليه ، أو الإشارة إليه أو الأمر بقتله . ومن ملك صيدا في الحلّ فأراد أن يدخل به الحرم لزمه رفع يده عنه وإرساله عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، لأنّ الحرم سبب محرّم للصّيد ويوجب ضمانه ، فحرم استدامة إمساكه كالإحرام ، فإن لم يرسله وتلف فعليه ضمانه ، فإن باعه ردّ البيع إن بقي ، وإن فات فعليه الجزاء . وقال الشّافعيّة: لو أدخل الحلال معه إلى الحرم صيدا مملوكا له لا يضمنه ، بل له إمساكه فيه والتّصرّف فيه كيف شاء ، لأنّه صيد حلّ . ولو رمى من الحلّ صيدا في الحرم ضمنه عند جمهور الفقهاء ، لأنّه صيد الحرم . وكذا لو رمى من الحرم صيدا في الحلّ عند الجمهور ، لأنّ بداية الرّمي من الحرم . وقال أشهب من المالكيّة وهو رواية عند الحنابلة: لا يضمن نظرا لانتهاء الرّمية . وضمان الصّيد يكون بالمثل فيما له مثل من النّعم ، أو القيمة فيه ، وفيما لا مثل له بتقويم رجلين عدلين يتصدّق بها على المساكين على النّحو المبيّن في جزاء الإحرام . ينظر في مصطلح ( إحرام: ف 160 - 164 ) . وفي الزّيلعيّ ولا يجزيه الصّوم لأنّه غرامة كغرامة الأموال وشجر الحرم . والجامع أنّهما ضمان المحلّ لا جزاء الفعل .
14 -ولا يجوز للمحرم ولا للحلال أكل لحم صيد الحرم البرّيّ ، ولا الانتفاع به بأيّ وجه من الوجوه . أمّا صيد البحر فحلال أكله للمحرم والحلال لقوله تعالى: { أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسّيّارة ، وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرما } . أمّا إذا صاد الحلال صيدا خارج الحرم فهل يحلّ للمحرم أكله أم لا ؟ فيه خلاف وتفصيل سبق في مصطلح: ( إحرام ) وتفصيل أحكام الصّيد في مصطلح: ( صيد ) .
ما يجوز قتله في الحرم:
15 -اتّفق الفقهاء على جواز قتل الغراب والحدأة ، والعقرب ، والحيّة ، والفأرة ، والكلب العقور ، والذّئب في الحلّ والحرم ، لما ورد في الحديث المتّفق عليه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: { خمس من الدّوابّ ليس على المحرم في قتلهنّ جناح: الغراب ، والحدأة ، والعقرب ، والفأرة ، والكلب العقور } وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: { خمس فواسق يقتلن في الحلّ والحرم: الحيّة ، والغراب الأبقع ، والفأرة ، والكلب العقور ، والحديّا } . والغراب الأبقع هو الّذي يأكل الجيف ، فلا يجوز صيد الغراب الصّغير الّذي يأكل الحبّ . وفي قول عند المالكيّة: لا يجوز قتل الحدأة الصّغيرة أيضا لانتفاء الإيذاء منها . وأجاز جمهور الفقهاء ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) قتل كلّ مؤذ بطبعه كالأسد والنّمر والفهد وسائر السّباع ، خلافا للحنفيّة في السّباع غير الصّائلة ونحوها كالبازي والصّقر . كما أجاز الجمهور قتل سائر الهوامّ والحشرات . واستثنى المالكيّة من الجواز قتل ما لا يكون مؤذيا منها . وقد سبق تفصيله في مصطلح ( إحرام ) .
نقل تراب الحرم:
16 -صرّح الشّافعيّة بحرمة نقل تراب الحرم وأحجاره وما عمل من طينه - كالأباريق وغيرها - إلى الحلّ ، فيجب ردّه إلى الحرم ، ونقل عن بعض الشّافعيّة كراهته . قال الزّركشيّ في إعلام السّاجد: يحرم نقل تراب الحرم وأحجاره عنه إلى جميع البلدان ، وهذا هو الأصحّ والّذي أورده الرّافعيّ كراهته . وعند الحنفيّة أنّه لا بأس بإخراج أحجار الحرم وترابه ، نقله الشّافعيّ في الأمّ ، وهو المنقول عن عمر وابن عبّاس ، لكنّهما كرهاه . وذهب الحنابلة إلى أنّه لا يخرج من تراب الحرم ، ولا يدخل إليه من الحلّ ، ولا يخرج من حجارة مكّة إلى الحلّ ، والإخراج أشدّ في الكراهة . أمّا نقل تراب الحلّ إلى الحرم فجوّزه الفقهاء ، لكنّه قال بعضهم: مكروه . وقال بعضهم: خلاف الأولى ، لئلاّ يحدث لها حرمة لم تكن . ولا خلاف في جواز نقل ماء زمزم إلى الحلّ لأنّه يستخلف ، فهو كالثّمرة . وروي عن عائشة رضي الله عنها أنّها كانت تحمل ماء زمزم وتخبر أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يحمله . ولم نعثر في كتب الحنفيّة والمالكيّة على نصّ في الموضوع .
بيع رباع الحرم وكراؤها: