واختلفوا في وجوب الإنصات على المصلّين ، فمذهب الجمهور أنّه واجب ، وأنّه يحرم الكلام إلاّ للخطيب أو لمن يكلّمه الخطيب ، وكذا لتحذير إنسان من مهلكة .
ودليلهم قوله تعالى: { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ } ، وقوله صلى الله عليه وسلم « إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت والإمام يخطب فقد لغوت » .
ومذهب الشّافعيّة في القديم متّفق مع مذهب الجمهور ، أمّا في الجديد فإنّه لا يجب الإنصات ولا يحرم الكلام ، لما صحّ « أنّ أعرابيًّا قال للنّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يخطب: يا رسول اللّه هلك المال وجاع العيال ... » وسأله آخر عن موعد السّاعة ، ولم ينكر عليهما ، ولم يبيّن لهما وجوب السّكوت . وحملوا الأمر على النّدب ، والنّهي على الكراهة .
هـ - الموالاة بين أركان الخطبة ، وبين الخطبتين ، وبينهما وبين الصّلاة .
ويغتفر يسير الفصل ، هذا ما ذهب إليه الجمهور ، أمّا الحنفيّة فيشترطون أن لا يفصل بين الخطبة والصّلاة بأكل أو عمل قاطع ، أمّا إذا لم يكن قاطعًا كما إذا تذكّر فائتةً وهو في الجمعة فاشتغل بقضائها أو أفسد الجمعة فاحتاج إلى إعادتها ، أو افتتح التّطوّع بعد الخطبة فلا تبطل الخطبة بذلك ، لأنّه ليس بعمل قاطع ، ولكنّ الأولى إعادتها ، وإن تعمّد ذلك يصير مسيئًا .
ز - كونها بالعربيّة ، تعبّدًا . للاتّباع ، والمراد أن تكون أركانها بالعربيّة ، ولأنّها ذكر مفروض فاشترط فيه ذلك كتكبيرة الإحرام ، ولو كان الجماعة عجمًا لا يعرفون العربيّة . وهذا ما ذهب إليه الجمهور .
وقال أبو حنيفة وهو المعتمد عند الحنفيّة: تصحّ بغير العربيّة ، ولو كان الخطيب عارفًا بالعربيّة ، ووافق الصّاحبان الجمهور في اشتراط كونها بالعربيّة إلاّ للعاجز عنها .
وذهب المالكيّة إلى أنّه عند العجز عن الإتيان بها بالعربيّة لا تلزمهم الجمعة .
وذهب المالكيّة إلى أنّه يشترط في الخطيب أن يكون عارفًا معنى ما يقول ، فلا يكفي أعجميّ لقّن من غير فهم - على الظّاهر - .
وقال الشّافعيّة: عند عدم من يخطب بالعربيّة إن أمكن تعلّم العربيّة خوطب به الجميع فرض كفاية وإن زادوا على الأربعين ، فإن لم يفعلوا عصوا ولا جمعة لهم بل يصلّون الظّهر ، وأجاب القاضي عن سؤال ما فائدة الخطبة بالعربيّة إذا لم يعرفها القوم بأنّ فائدتها العلم بالوعظ من حيث الجملة . ويوافقه قول الشّيخين فيما إذا سمعوا الخطبة ولم يعرفوا معناها أنّها تصحّ . وإن لم يمكن تعلّمها خطب واحد بلغته ، وإن لم يعرفها القوم ، فإن لم يحسن أحد منهم التّرجمة فلا جمعة لهم لانتفاء شرطها .
ح - النّيّة: اشترط الحنفيّة والحنابلة النّيّة لصحّة الخطبة ، لقوله صلى الله عليه وسلم: « إنّما الأعمال بالنّيّات » . فلو حمد اللّه لعطاسه أو تعجّبًا ، أو صعد المنبر وخطب بلا نيّة فلا تصحّ . ولم يشترط المالكيّة والشّافعيّة النّيّة لصحّة الخطبة .
وهناك أمور شرطها بعض الفقهاء وذهب الجمهور إلى سنّيّتها وتأتي في السّنن .
سننها:
10 -تنقسم هذه السّنن إلى سنن متّفق عليها وأخرى مختلف فيها أمّا السّنن المتّفق عليها فهي:
أ - أن تكون الخطبة على منبر لإلقاء الخطبة ، اتّباعًا للسّنّة ، ويستحبّ أن يكون المنبر على يمين المحراب"بالنّسبة للمصلّي"، للاتّباع .
فإن لم يتيسّر المنبر فعلى موضع مرتفع ، لأنّه أبلغ في الإعلام .
ب - الجلوس على المنبر قبل الشّروع في الخطبة ، عملًا بالسّنّة .
ج - استقبال الخطيب القوم بوجهه ، ويستحبّ للقوم الإقبال بوجههم عليه ، وجاءت فيه أحاديث كثيرة ، منها حديث عديّ بن ثابت عن أبيه قال: « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم » .
د - الأذان بين يدي الخطيب ، إذا جلس على المنبر .
وهذا الأذان هو الّذي كان على عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم فعن السّائب بن يزيد رضي الله عنه أنّه قال « إنّ الأذان يوم الجمعة كان أوّله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر ، في عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فلمّا كان في خلافة عثمان رضي الله عنه وكثروا أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثّالث فأذّن به على الزّوراء ، فثبت الأمر على ذلك » .
هـ - رفع الصّوت بالخطبة زيادةً على الجهر الواجب السّابق بيانه لأنّه أبلغ في الإعلام ، لقول جابر رضي الله عنه « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرّت عيناه ، وعلا صوته ، واشتدّ غضبه ، حتّى كأنّه منذر جيش يقول: صبّحكم ومسّاكم » .
ز - تقصير الخطبتين ، وكون الثّانية أقصر من الأولى ، لقوله صلى الله عليه وسلم: « إنّ طول صلاة الرّجل ، وقصر خطبته مئنّة من فقهه ، فأطيلوا الصّلاة ، واقصروا الخطبة » . ويستحبّ أن تكون الخطبة فصيحةً بليغةً مرتّبةً مفهومةً بلا تمطيط ولا تقعير ، ولا تكون ألفاظًا مبتذلةً ملفّقةً ، حتّى تقع في النّفوس موقعها .
ح - أن يعتمد الخطيب على قوس أو سيف أو عصا ، لما روى الحكم بن حزن رضي الله عنه قال: « وفدت إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ... فأقمنا أيّامًا شهدنا فيها الجمعة مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقام متوكّئًا على عصًا أو قوس فحمد اللّه وأثنى عليه كلمات خفيفات طيّبات مباركات » .
وللحنفيّة تفصيل في المسألة فقالوا: يتّكئ على السّيف في كلّ بلدة فتحت عنوةً ، ليريهم قوّة الإسلام والحزم ، ويخطب بدونه في كلّ بلدة فتحت صلحًا .
11 -وأمّا السّنن المختلف فيها فهي:
أ - القيام في الخطبة مع القدرة ، للاتّباع . وهو شرط عند الشّافعيّة وأكثر المالكيّة .