واتّفق الفقهاء على أنّ جلد الحيوان المأكول اللّحم كالإبل والغنم والبقر والظّباء ونحوها طاهر قبل الذّبح وبعده ، سواء أدبغ أم لم يدبغ . وكذلك ميتة السّمك والجراد ونحوهما ممّا لا نفس له سائلةً .
ولا خلاف بين الفقهاء في نجاسة جلود ميتة الحيوانات قبل الدّباغ ، وعرّفوا الميتة بأنّها الميّت من الحيوان البرّيّ الّذي له نفس سائلة ، مأكولة اللّحم أو غيره ، مات حتف أنفه أو بذكاة غير شرعيّة ، كمذكّى المجوسيّ أو الكتابيّ لصنمه ، أو المحرم لصيد ، أو المرتدّ أو نحوه . ( ر: ميتة ) .
9-واختلفوا في طهارة جلود الميتة بالدّباغة على التّفصيل التّالي:
ذهب الحنفيّة والشّافعيّة - وهو رواية عن أحمد في جلد ميتة مأكول اللّحم - إلى أنّ الدّباغة وسيلة لتطهير جلود الميتة ، سواء أكانت مأكولة اللّحم أم غير مأكولة اللّحم ، فيطهر بالدّباغ جلد ميتة سائر الحيوانات إلاّ جلد الخنزير عند الجميع لنجاسة عينه ، وإلاّ جلد الآدميّ لكرامته لقوله تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ } واستثنى الشّافعيّة أيضًا جلد الكلب ، كما استثنى محمّد من الحنفيّة جلد الفيل .
واستدلّوا لطهارة جلود الميتة بالدّباغة بأحاديث ، منها:
أ - قوله صلى الله عليه وسلم: « أيّما إهاب دبغ فقد طهر » .
ب - وبما روى سلمة بن المحبّق « أنّ نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك دعا بماء من عند امرأة ، قالت: ما عندي إلاّ في قربة لي ميّتة . قال: أليس قد دبغتها ؟ قالت: بلى . قال: فإنّ دباغها ذكاتها » .
ج - وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: « تصدّق على مولاة لميمونة بشاة فماتت ، فمرّ بها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: هلاّ أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ؟ فقالوا: إنّها ميتة ، فقال: إنّما حرم أكلها » .
واستدلّوا بالمعقول أيضًا ، وهو أنّ الدّبغ يزيل سبب النّجاسة وهو الرّطوبة والدّم ، فصار الدّبغ للجلد كالغسل للثّوب ، ولأنّ الدّباغ يحفظ الصّحّة للجلد ويصلحه للانتفاع به كالحياة ، ثمّ الحياة تدفع النّجاسة عن الجلود فكذلك الدّباغ .
أمّا استثناء جلد الخنزير فلأنّه نجس العين ، أي أنّ ذاته بجميع أجزائها نجسة حيًّا وميّتًا ، فليست نجاسته لما فيه من الدّم أو الرّطوبة كنجاسة غيره من ميتة الحيوانات ، فلذا لم يقبل التّطهير .
واستدلّ الشّافعيّة لاستثناء الكلب بأنّه ورد في الحديث الصّحيح أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرّات أولاهنّ بالتّراب » . والطّهارة تكون لحدث أو خبث ، ولا حدث على الإناء فتعيّن أنّ الولوغ سبب للخبث بسبب نجاسة فم الكلب ، فبقيّة أجزاء الكلب أولى بالنّجاسة ، وإذا كانت الحياة لا تدفع النّجاسة عن الكلب فالدّباغ أولى ، لأنّ الحياة أقوى من الدّباغ بدليل أنّها سبب لطهارة الجملة ، والدّباغ وسيلة لطهارة الجلد فقط .
واستدلّ الحنفيّة لطهارة جلد الكلب بالدّباغة بعموم الأحاديث الّتي تقدّمت .
والكلب ليس نجس العين عندهم في الأصحّ ، وكذلك الفيل عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وقد روي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « كان يمتشط بمشط من عاج » ، وفسّره الجوهريّ وغيره بعظم الفيل .
10 -وقال المالكيّة في المشهور المعتمد عندهم والحنابلة في المذهب بعدم طهارة جلد الميتة بالدّباغة ، لما روى عبد اللّه بن عكيم قال: « أتانا كتاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بشهر أو شهرين: ألاّ تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب » .
وفي رواية أخرى عنه صلى الله عليه وسلم قال: « كنت رخّصت لكم في جلود الميتة ، فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب » .
وأجاب المالكيّة عن الأحاديث الواردة في طهارة الجلد بالدّباغ بأنّها محمولة على الطّهارة اللّغويّة أي النّظافة ، ولذا جاز الانتفاع به في حالات خاصّة كما سيأتي . وروي عن سحنون وابن عبد الحكم من المالكيّة قولهما: بطهارة جلد جميع الحيوانات بالدّباغة حتّى الخنزير .
11 -وروي عن أحمد أنّه يطهر بالدّباغة جلد ميتة ما كان طاهرًا في الحياة ، من إبل وبقر وظباء ونحوها ، ولو كان غير مأكول اللّحم ، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: « أيّما إهاب دبغ فقد طهر » فيتناول المأكول وغيره ، وخرج منه ما كان نجسًا في حال الحياة لكون الدّبغ إنّما يؤثّر في دفع نجاسة حادثة بالموت فيبقى ما عداه على قضيّة العموم .
كما روي عن أحمد قوله: بطهارة جلود ميتة مأكول اللّحم فقط ، لقوله صلى الله عليه وسلم: « ذكاة الأديم دباغه » والذّكاة إنّما تعمل فيما يؤكل لحمه ، فكذلك الدّباغ .
غسل الجلد المدبوغ:
12 -لم يذكر الحنفيّة ضرورة غسل الجلد المدبوغ أثناء الدّباغة ولا بعدها ، فالظّاهر من كلامهم طهارة الجلد بمجرّد الدّبغ قبل الغسل ، كما هو وجه عند الحنابلة أيضًا ، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: « أيّما إهاب دبغ فقد طهر » ولأنّه طهر بانقلابه ، فلم يفتقر إلى استعمال الماء كالخمرة إذا انقلبت خلًّا .
والوجه الثّاني عند الحنابلة أنّ الطّهارة لا تحصل بمجرّد الدّبغ بل تحتاج إلى الغسل لقوله صلى الله عليه وسلم في جلد الشّاة الميّتة: « يطهّرها الماء والقرظ » .
والأصحّ عند الشّافعيّة عدم اشتراط غسل الجلد أثناء الدّباغة تغليبًا لمعنى الإحالة ، ولحديث مسلم . « إذا دبغ الإهاب فقد طهر » ولم يذكر فيه الغسل .