وقال صلى الله عليه وسلم: « الدّعاء مخّ العبادة » ، وقال صلى الله عليه وسلم: « إنّ اللّه حييّ كريم يستحيي إذا رفع الرّجل إليه يديه أن يردّهما صفرًا خائبتين » . وروى أبو هريرة أنّه صلى الله عليه وسلم قال: « ليس شيء أكرم على اللّه عزّ وجلّ من الدّعاء » .
وقال صلى الله عليه وسلم: « ما على الأرض مسلم يدعو اللّه بدعوة إلاّ آتاه اللّه إيّاها أو صرف عنه من السّوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم » . وقال صلى الله عليه وسلم: « سلوا اللّه تعالى من فضله ، فإنّه تعالى يحبّ أن يسأل ، وأفضل العبادة انتظار الفرج » .
أثر الدّعاء:
7 -الدّعاء عبادة ، وله أثر بالغ وفائدة عظيمة ، ولولا ذلك لم يأمرنا الحقّ عزّ وجلّ بالدّعاء ولم يرغب النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيه ، فكم رفعت محنة بالدّعاء ، وكم من مصيبة أو كارثة كشفها اللّه بالدّعاء ، وقد أورد القرآن الكريم جملةً من الأدعية استجابها اللّه تعالى بمنّه وفضله وكرمه ، وكان من جملة أسباب النّصر في بدر دعاء النّبيّ صلى الله عليه وسلم والدّعاء سبب أكيد لغفران المعاصي ، ولرفع الدّرجات ،ولجلب الخير ودفع الشّرّ. ومن ترك الدّعاء فقد سدّ على نفسه أبوابًا كثيرةً من الخير .
وقال الغزاليّ: فإن قلت: فما فائدة الدّعاء والقضاء لا مردّ له ؟
فاعلم أنّ من القضاء ردّ البلاء بالدّعاء ، فالدّعاء سبب لردّ البلاء واستجلاب الرّحمة ، كما أنّ التّرس سبب لردّ السّهام ، والماء سبب لخروج النّبات من الأرض ، فكما أنّ التّرس يدفع السّهم فيتدافعان ، فكذلك الدّعاء والبلاء يتعالجان .
وليس من شرط الاعتراف بقضاء اللّه تعالى أن لا يحمل السّلاح ، وقد قال تعالى: { وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } ، كما أنّه ليس من شرطه أن لا يسقي الأرض بعد بثّ البذر ، فيقال: إن سبق القضاء بالنّبات نبت البذر وإن لم يسبق لم ينبت ، بل ربط الأسباب بالمسبّبات هو القضاء الأوّل الّذي هو كلمح البصر أو هو أقرب ، وترتيب تفصيل المسبّبات على تفاصيل الأسباب على التّدريج والتّقدير هو القدر ، والّذي قدّر الخير قدّره بسبب ، والّذي قدّر الشّرّ قدّر لرفعه سببًا ، فلا تناقض بين هذه الأمور عند من انفتحت بصيرته .
ثمّ في الدّعاء من الفائدة أنّه يستدعي حضور القلب مع اللّه وهو منتهى العبادات ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: « الدّعاء مخّ العبادة » .
والغالب على الخلق أن لا تنصرف قلوبهم إلى ذكر اللّه عزّ وجلّ إلاّ عند إلمام حاجة وإرهاق ملمّة ، فإنّ الإنسان إذا مسّه الشّرّ فذو دعاء عريض .
فالحاجة تحوج إلى الدّعاء ، والدّعاء يردّ القلب إلى اللّه عزّ وجلّ بالتّضرّع والاستكانة ، فيحصل به الذّكر الّذي هو أشرف العبادات . ولذلك صار البلاء موكّلًا بالأنبياء عليهم السلام، ثمّ الأولياء ، ثمّ الأمثل فالأمثل ، لأنّه يردّ القلب بالافتقار والتّضرّع إلى اللّه عزّ وجلّ ، ويمنع من نسيانه ، وأمّا الغنى فسبب للبطر في غالب الأمور ، فإنّ الإنسان ليطغى أن رآه استغنى. وقال الخطّابيّ: فإن قيل فما تأويل قوله تعالى: { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } وهو وعد من اللّه يلزم الوفاء به ، ولا يجوز وقوع الخلف فيه ؟ قيل هذا مضمر فيه المشيئة ، كقوله تعالى:
{ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء } .
وقد يرد الكلام بلفظ عامّ مراده خاصّ ، وإنّما يستجاب من الدّعاء ما وافق القضاء ، ومعلوم أنّه لا تظهر لكلّ داع استجابة دعائه ،فعلمت أنّه إنّما جاء في نوع خاصّ منه بصفة معلومة. وقد قيل: معنى الاستجابة: أنّ الدّاعي يعوّض من دعائه عوضًا ما ، فربّما كان ذلك إسعافًا بطلبته الّتي دعا لها ، وذلك إذا وافق القضاء ، فإن لم يساعده القضاء ، فإنّه يعطى سكينةً في نفسه ، وانشراحًا في صدره ، وصبرًا يسهل معه احتمال ثقل الواردات عليه ، وعلى كلّ حال فلا يعدم فائدة دعائه ، وهو نوع من الاستجابة .
آداب الدّعاء:
8 -أ - أن يكون مطعم الدّاعي ومسكنه وملبسه وكلّ ما معه حلالًا .
بدليل ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:
« أيّها النّاس: إنّ اللّه تعالى طيّب لا يقبل إلاّ طيّبًا ، وإنّ اللّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا } ، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السّماء ، يا ربّ ، يا ربّ ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذّي بالحرام ، فأنّى يستجاب لذلك » .
ب - أن يترصّد لدعائه الأوقات الشّريفة كيوم عرفة من السّنة ، ورمضان من الأشهر ، ويوم الجمعة من الأسبوع ، ووقت السّحر من ساعات اللّيل .
قال تعالى: { وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } وقال صلى الله عليه وسلم: « ينزل اللّه تعالى كلّ ليلة إلى السّماء الدّنيا حين يبقى ثلث اللّيل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له » .
ج - أن يغتنم الأحوال الشّريفة . قال أبو هريرة رضي الله عنه: إنّ أبواب السّماء تفتح عند زحف الصّفوف في سبيل اللّه تعالى ، وعند نزول الغيث ، وعند إقامة الصّلوات المكتوبة ، فاغتنموا الدّعاء فيها . وقال مجاهد: إنّ الصّلاة جعلت في خير السّاعات فعليكم بالدّعاء خلف الصّلوات . وقال صلى الله عليه وسلم: « لا يردّ الدّعاء بين الأذان والإقامة » .