وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: « الصّائم لا تردّ دعوته » .
وبالحقيقة يرجع شرف الأوقات إلى شرف الحالات أيضًا ، إذ وقت السّحر وقت صفاء القلب وإخلاصه وفراغه من المشوّشات ، ويوم عرفة ويوم الجمعة وقت اجتماع الهمم وتعاون القلوب على استدرار رحمة اللّه عزّ وجلّ ، فهذا أحد أسباب شرف الأوقات سوى ما فيها من أسرار لا يطّلع البشر عليها .
وحالة السّجود أيضًا أجدر بالإجابة ، قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « أقرب ما يكون العبد من ربّه عزّ وجلّ وهو ساجد فأكثروا الدّعاء » .
وروى ابن عبّاس رضي الله عنهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « إنّي نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا ، فأمّا الرّكوع فعظّموا فيه الرّبّ تعالى ، وأمّا السّجود فاجتهدوا في الدّعاء فقمن أن يستجاب لكم » .
د - أن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه بحيث يرى بياض إبطيه . روى جابر بن عبد اللّه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أتى الموقف بعرفة واستقبل القبلة ولم يزل يدعو حتّى غربت الشّمس . وقال سلمان: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « إنّ ربّكم حييّ كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردّهما صفرًا » وروى أنس أنّه رأى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في الدّعاء حتّى يرى بياض إبطيه .
هـ - أن يمسح بهما وجهه في آخر الدّعاء . قال عمر رضي الله عنه: « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا مدّ يديه في الدّعاء لم يردّهما حتّى يمسح بهما وجهه » .
وقال ابن عبّاس: « كان صلى الله عليه وسلم إذا دعا ضمّ كفّيه وجعل بطونهما ممّا يلي وجهه » .
فهذه هيئات اليد ، ولا يرفع بصره إلى السّماء . قال صلى الله عليه وسلم: « لينتهينّ أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدّعاء في الصّلاة إلى السّماء أو لتخطفنّ أبصارهم » .
و - خفض الصّوت بين المخافتة والجهر لقوله عزّ وجلّ: { ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } ، ولما روي أنّ أبا موسى الأشعريّ قال: « قدمنا مع رسول اللّه فلمّا دنونا من المدينة كبّر ، وكبّر النّاس ورفعوا أصواتهم ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: يا أيّها النّاس: اربعوا على أنفسكم ، إنّكم ليس تدعون أصمّ ولا غائبًا ، إنّكم تدعون سميعًا قريبًا ، والّذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم » وقالت عائشة رضي الله عنها في قوله عزّ وجلّ: { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } أي بدعائك ، وقد أثنى اللّه عزّ وجلّ على نبيّه زكريّا عليه السلام حيث قال: { إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا } .
ز - أن لا يتكلّف السّجع في الدّعاء فإنّ حال الدّاعي ينبغي أن يكون حال متضرّع ، والتّكلّف لا يناسبه . قال صلى الله عليه وسلم: « سيكون قوم يعتدون في الدّعاء » ، وقد قال عزّ وجلّ: { ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } ، وقيل معناه التّكلّف للأسجاع ، والأولى أن لا يجاوز الدّعوات المأثورة ، فإنّه قد يعتدي في دعائه فيسأل ما لا تقتضيه مصلحته ، فما كلّ أحد يحسن الدّعاء ، وللبخاريّ عن ابن عبّاس: « وانظر السّجع من الدّعاء فاجتنبه ، فإنّي عهدت أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لا يفعلون إلاّ ذلك » . ح - التّضرّع والخشوع والرّغبة والرّهبة قال اللّه تعالى: { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا } وقال عزّ وجلّ: { ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } .
ط - أن يجزم الدّعاء ويوقن بالإجابة . قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « لا يقولن أحدكم اللّهمّ اغفر لي إن شئت ، اللّهمّ ارحمني إن شئت ،ليعزم المسألة فإنّه لا مستكره له » . وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « إذا دعا أحدكم فليعظم الرّغبة فإنّ اللّه لا يتعاظمه شيء » . وقال صلى الله عليه وسلم: « ادعوا اللّه وأنتم موقنون بالإجابة ، واعلموا أنّ اللّه عزّ وجلّ لا يستجيب دعاءً من قلب غافل » . وقال سفيان بن عيينة: لا يمنعنّ أحدكم من الدّعاء ما يعلم من نفسه ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ أجاب دعاء شرّ الخلق إبليس لعنه اللّه إذ { قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ، قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ } .
ي - أن يلحّ في الدّعاء ويكرّره ثلاثًا ، قال ابن مسعود: « كان عليه الصلاة والسلام إذا دعا دعا ثلاثًا ، وإذا سأل سأل ثلاثًا » .
ك - أن لا يستبطئ الإجابة لقوله صلى الله عليه وسلم: « يستجاب لأحدكم ما لم يعجل ، يقول قد دعوت فلم يستجب لي . فإذا دعوت فاسأل اللّه كثيرًا فإنّك تدعو كريمًا » .