فهرس الكتاب

الصفحة 1059 من 2053

9 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَلْيِ الْمُسْتَعْمَلِ اسْتِعْمَالًا مُحَرَّمًا , كَأَنْ يَتَّخِذَ الرَّجُلُ حَلْيَ الذَّهَبِ لِلِاسْتِعْمَالِ , لِأَنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنْ أَصْلِهِ بِفِعْلٍ غَيْرِ مُبَاحٍ فَسَقَطَ حُكْمُ فِعْلِهِ وَهُوَ صِيَاغَتُهُ صِيَاغَةً مُحَرَّمَةً , وَبَقِيَ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ . كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْحَلْيِ الْمَكْنُوزِ الْمُقْتَنَى الَّذِي لَمْ يَقْصِدْ بِهِ مُقْتَنِيهِ اسْتِعْمَالًا مُحْرِمًا وَلَا مَكْرُوهًا وَلَا مُبَاحًا , لِأَنَّهُ مَرْصَدٌ لِلنَّمَاءِ فَصَارَ كَغَيْرِ الْمَصُوغِ , وَلَا يَخْرُجُ عَنْ التَّنْمِيَةِ إلَّا بِالصِّيَاغَةِ الْمُبَاحَةِ وَنِيَّةِ اللُّبْسِ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَلْيِ الْمُسْتَعْمَلِ اسْتِعْمَالًا مُبَاحًا كَحَلْيِ الذَّهَبِ لِلْمَرْأَةِ وَخَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرَّجُلِ . فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ فِي الْمَذْهَبِ إلَى عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَلْيِ الْمُبَاحِ الْمُسْتَعْمَلِ . وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَسْمَاءَ - رضي الله عنهم - وَالْقَاسِمِ وَالشَّعْبِيِّ وَقَتَادَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَعَمْرَةَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ . وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ مِنْ آثَارٍ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَأَسْمَاءَ وَجَابِرٍ رضي الله عنهم , فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا كَانَتْ تَلِي بَنَاتِ أَخِيهَا فِي حِجْرِهَا لَهُنَّ الْحُلِيُّ فَلَا تُخْرِجُ مِنْهُ الزَّكَاةَ . وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ كَانَ يُحَلِّي بَنَاتِهِ وَجَوَارِيَهُ الذَّهَبَ ثُمَّ لَا يُخْرِجُ مِنْ حُلِيِّهِنَّ الزَّكَاةَ . وَرُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما أَنَّهَا كَانَتْ تُحَلِّي ثِيَابَهَا الذَّهَبَ , وَلَا تُزَكِّيهِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفًا . وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ جَابِرًا رضي الله عنه عَنْ الْحَلْيِ أَفِيه زَكَاةٌ ؟ فَقَالَ جَابِرٌ لَا , فَقَالَ: وَإِنْ كَانَ يَبْلُغُ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَالَ جَابِرٌ كَثِيرٌ . وَالْمَأْثُورُ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها يُخَالِفُ مَا رَوَتْهُ عَنْ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُخَالِفْهُ إلَّا فِيمَا عَلِمْته مَنْسُوخًا , فَإِنَّهَا زَوْجُهُ وَأَعْلَمُ النَّاسِ بِهِ , وَكَذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ فَإِنَّ أُخْتَهُ حَفْصَةَ كَانَتْ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَحُكْمُ حُلِيِّهَا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ وَلَا يَخْفَى عَنْهَا حُكْمُهُ فِيهِ . كَمَا اسْتَدَلُّوا بِقِيَاسِ الْحَلْيِ الْمُبَاحِ عَلَى ثِيَابِ الْبَدَنِ وَالْأَثَاثِ وَعَوَامِلِ الْبَقَرِ فِي أَنَّهَا مُرْصَدَةٌ فِي اسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ فَسَقَطَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهَا . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ فِي الْجَدِيدِ إلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَلْيِ الْمُبَاحِ الْمُسْتَعْمَلِ , وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عُمَرَ , وَابْنِ عَبَّاسٍ , وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ , وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ , وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ , وَطَاوُسٍ , وَابْنِ مِهْرَانَ وَمُجَاهِدٍ , وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ , وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , وَالزُّهْرِيِّ , وَابْنِ حَبِيبٍ . وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو { أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا وَفِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ غَلِيظَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ لَهَا: أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا ؟ قَالَتْ: لَا . قَالَ: أَيَسُرُّك أَنْ يُسَوِّرَك اللَّهُ بِهِمَا سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ ؟ قَالَ: فَخَلَعَتْهُمَا فَأَلْقَتْهُمَا إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَتْ: هُمَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } . كَمَا اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ { دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرَأَى فِي يَدِي فَتَخَاتٍ مِنْ وَرِقٍ , فَقَالَ: مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ , فَقُلْت: صَنَعْتهنَّ أَتَزَيَّنُ لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ: أَتُؤْتِينَ زَكَاتَهُنَّ ؟ قُلْت: لَا , أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَ: هَذَا حَسْبُك مِنْ النَّارِ } . وَالْحَلْيُ مَالٌ نَامٍ وَدَلِيلُ النَّمَاءِ الْإِعْدَادُ لِلتِّجَارَةِ خِلْقَةً .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت