11 -ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الزّكاة تجب في مال كلٍّ من الصّغير والمجنون ذكرًا كان أو أنثى ، وهو مرويّ عن عمر ، وابنه ، وعليٍّ وابنه الحسن ، وعائشة ، وجابرٍ ، وبه قال ابن سيرين ومجاهد ، وربيعة ، وابن عيينة ، وأبو عبيدٍ وغيرهم . واستدلّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: { ألا من ولي يتيمًا له مال فليتّجر فيه ، ولا يتركه حتّى تأكله الصّدقة } والمراد بالصّدقة الزّكاة المفروضة ; لأنّ اليتيم لا يخرج من ماله صدقة تطوّعٍ ، إذ ليس للوليّ أن يتبرّع من مال اليتيم بشيءٍ ; ولأنّ الزّكاة تراد لثواب المزكّي ومواساة الفقير ، والصّبيّ والمجنون من أهل الثّواب وأهل المواساة على ما قال الشّيرازيّ ، وبأنّ الزّكاة حقّ يتعلّق بالمال ، فأشبه نفقة الأقارب وأروش الجنايات وقيم المتلفات . وقال الدّردير: إنّما وجبت في مالهما لأنّها من باب خطاب الوضع . ويتولّى الوليّ إخراج الزّكاة من مالهما ; لأنّ الوليّ يقوم مقامهما في أداء ما عليهما من الحقوق ، كنفقة القريب ، وعلى الوليّ أن ينوي أنّها زكاة ، فإن لم يخرجها الوليّ وجب على الصّبيّ بعد البلوغ ، والمجنون بعد الإفاقة ، إخراج زكاة ما مضى . وروي عن ابن مسعودٍ والثّوريّ والأوزاعيّ أنّهم قالوا: تجب الزّكاة ، ولا تخرج حتّى يبلغ الصّبيّ ، أو يفيق المجنون ، وذلك أنّ الوليّ ليس له ولاية الأداء ، قال ابن مسعودٍ: احص ما يجب في مال اليتيم من الزّكاة ، فإذا بلغ فأعلمه ، فإن شاء زكّى وإن شاء لم يزكّ ، أي لا إثم على الوليّ بعدئذٍ إن لم يزكّ الصّبيّ . وذهب ابن شبرمة إلى أنّ أمواله الظّاهرة من نعمٍ وزرعٍ وثمرٍ يزكّى ، وأمّا الباطنة فلا . وقال سعيد بن المسيّب: لا يزكّي حتّى يصلّي ويصوم ، وقال أبو وائلٍ ، والنّخعيّ ، وسعيد بن جبيرٍ والحسن البصريّ: لا زكاة في مال الصّبيّ ، وذهب أبو حنيفة وهو مرويّ عن عليٍّ وابن عبّاسٍ إلى أنّ الزّكاة لا تجب في مال الصّغير والمجنون ، إلاّ أنّه يجب العشر في زروعهما وثمارهما ، وزكاة الفطر عنهما . واستدلّ لهذا القول بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: { رفع القلم عن ثلاثةٍ: عن المجنون المغلوب على عقله حتّى يفيق ، وعن النّائم حتّى يستيقظ ، وعن الصّبيّ حتّى يحتلم } . ولأنّها عبادة ، فلا تتأدّى إلاّ بالاختيار تحقيقًا لمعنى الابتلاء ، ولا اختيار للصّبيّ والمجنون لعدم العقل ، وقياسًا على عدم وجوبها على الذّمّيّ لأنّه ليس من أهل العبادة ، وإنّما وجب العشر فيما يخرج من أرضهما لأنّه في معنى مؤنة الأرض ، ومعنى العبادة فيه تابع . وممّا يتّصل بهذا زكاة مال الجنين من إرثٍ أو غيره ، ذكر فيه النّوويّ عند الشّافعيّة طريقين والمذهب أنّها لا تجب ، قال: وبذلك قطع الجمهور ; لأنّ الجنين لا يتيقّن حياته ولا يوثق بها ، فلا يحصل تمام الملك واستقراره ، قال: فعلى هذا يبتدئ حول ماله من حين ينفصل .
ب - الزّكاة في مال الكافر:
12 -لا تجب الزّكاة في مال الكافر الأصليّ اتّفاقًا ، حربيًّا كان أو ذمّيًّا ; لأنّه حقّ لم يلتزمه ; ولأنّها وجبت طهرةً للمزكّي ، والكافر لا طهرة له ما دام على كفره . وأخذ عمر رضي الله عنه الزّكاة مضاعفةً من نصارى بني تغلب عندما رفضوا دفع الجزية ورضوا بدفع الزّكاة . وقد ذهب الجمهور إلى أنّ ما يؤخذ منهم يصرف في مصارف الفيء ; لأنّه في حقيقته جزية ، وذهب محمّد بن الحسن إلى أنّه يصرف في مصارف الزّكاة وهو قول أبي الخطّاب من الحنابلة . أمّا المرتدّ ، فما وجب عليه من الزّكاة في إسلامه ، وذلك إذا ارتدّ بعد تمام الحول على النّصاب لا يسقط في قول الشّافعيّة والحنابلة ، لأنّه حقّ مالٍ فلا يسقط بالرّدّة كالدّين ، فيأخذه الإمام من ماله كما يأخذ الزّكاة من المسلم الممتنع ، فإن أسلم بعد ذلك لم يلزمه أداؤها . وذهب الحنفيّة إلى أنّه تسقط بالرّدّة الزّكاة الّتي وجبت في مال المرتدّ قبل الرّدّة ، لأنّ من شرطها النّيّة عند الأداء ، ونيّته العبادة وهو كافر غير معتبرةٍ ، فتسقط بالرّدّة كالصّلاة ، حتّى ما كان منها زكاة الخارج من الأرض . وأمّا إذا ارتدّ قبل تمام الحول على النّصاب فلا يثبت الوجوب عند الجمهور من الحنفيّة ، والحنابلة ، وهو قول عند الشّافعيّة . والأصحّ عند الشّافعيّة أنّ ملكه لماله موقوف فإن عاد إلى الإسلام تبيّن بقاء ملكه وتجب فيه الزّكاة وإلاّ فلا .
ج - من لم يعلم بفرضيّة الزّكاة:
13 -ذهب المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وابن المنذر ، وزفر من الحنفيّة إلى أنّ العلم بكون الزّكاة مفروضةً ليس شرطًا لوجوبها ، فتجب الزّكاة على الحربيّ إذا أسلم في دار الحرب وله سوائم ومكث هناك سنين ولا علم له بالشّريعة الإسلاميّة ، ويخاطب بأدائها إذا خرج إلى دار الإسلام . وذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى أنّ العلم بكون الزّكاة فريضةً شرط لوجوب الزّكاة فلا تجب الزّكاة على الحربيّ في الصّورة المذكورة .
د - من لم يتمكّن من الأداء: