92 -مقتضى مذهب الجمهور أنّه لا فرق في التّقويم ، بين السّلع البائرة وغيرها . أمّا المالكيّة فقد ذكروا أنّ السّلع الّتي لدى التّاجر المدير إذا بارت فإنّه يدخلها في التّقويم ويؤدّي زكاتها كلّ عامٍ إذا تمّت الشّروط ; لأنّ بوارها لا ينقلها للقنية ولا للاحتكار ، وهذا هو المشهور عندهم وهو قول ابن القاسم . وذهب ابن نافعٍ وسحنون إلى أنّ السّلع إذا بارت تنتقل للاحتكار ، وخصّ اللّخميّ وابن يونس الخلاف بما إذا بار الأقلّ ، أمّا إذا بار النّصف أو الأكثر فلا يقوّم اتّفاقًا عندهم ، ومقتضى ذلك أن لا زكاة فيها إلاّ إذا باع قدر نصابٍ فيزكّيه ، ثمّ كلّما باع شيئًا زكّاه كما تقدّم .
التّقويم للسّلع المشتراة الّتي لم يدفع التّاجر ثمنها:
93 -ذهب المالكيّة إلى أنّ التّاجر المدير لا يقوّم - لأجل الزّكاة - من سلعه إلاّ ما دفع ثمنه ، أو حال عليه الحول عنده وإن لم يدفع ثمنه ، وحكمه في ما لم يدفع ثمنه حكم من عليه دين وبيده مال . وأمّا ما لم يدفع ثمنه ولم يحل عليه الحول عنده فلا زكاة عليه فيه ، ولا يسقط عنه من زكاة ما حال حوله عنده شيء بسبب دين ثمن هذا العرض الّذي لم يحل حوله عنده ، إن لم يكن عنده ما يجعله في مقابلته .
تقويم دين التّاجر النّاشئ عن التّجارة:
94 -ما كان للتّاجر من الدّين المرجوّ إن كان سلعًا عينيّةً - أي من غير النّقدين - فإنّه عند المالكيّة إن كان مديرًا - لا محتكرًا - يقوّمه بنقدٍ حالٍّ ، ولو كان الدّين طعام سلمٍ ، ولا يضرّ تقويمه لأنّه ليس بيعًا له حتّى يؤدّي إلى بيع الطّعام قبل قبضه . وإن كان الدّين المرجوّ من أحد النّقدين وكان مؤجّلًا ، فإنّه يقوّمه بعرضٍ ، ثمّ يقوّم العرض بنقدٍ حالٍّ ، فيزكّي تلك القيمة لأنّها الّتي تملك لو قام على المدين غرماؤه . أمّا الدّين غير المرجوّ فلا يقوّمه ليزكّيه حتّى يقبضه ، فإن قبضه زكّاه لعامٍ واحدٍ . وأمّا عند الجمهور فلم يذكروا هذه الطّريقة ، فالظّاهر عندهم أنّ الدّين المؤجّل يحسب للزّكاة بكماله إذا كان على مليءٍ مقرٍّ .
إخراج زكاة عروض التّجارة نقدًا أو من أعيان المال:
95 -الأصل في زكاة التّجارة أن يخرجها نقدًا بنسبة ربع العشر من قيمتها ، كما تقدّم ، لقول عمر رضي الله عنه لحماسٍ: قوّمها ثمّ أدّ زكاتها . فإن أخرج زكاة القيمة من أحد النّقدين أجزأ اتّفاقًا . وإن أخرج عروضًا عن العروض فقد اختلف الفقهاء في جواز ذلك . فقال الحنابلة وهو ظاهر كلام المالكيّة وقول الشّافعيّ في الجديد وعليه الفتوى: لا يجزئه ذلك ، واستدلّوا بأنّ النّصاب معتبر بالقيمة ، فكانت الزّكاة من القيمة ، كما إنّ البقر لمّا كان نصابها معتبرًا بأعيانها ، وجبت الزّكاة من أعيانها ، وكذا سائر الأموال غير التّجارة . وأمّا عند الحنفيّة وهو قول ثانٍ للشّافعيّة قديم: يتخيّر المالك بين الإخراج من العرض أو من القيمة فيجزئ إخراج عرضٍ بقيمة ما وجب عليه من زكاة العروض ، قال الحنفيّة: وكذلك زكاة غيرها من الأموال حتّى النّقدين والماشية ولو كانت للسّوم لا للتّجارة ، ويأتي تفصيل ذلك إن شاء اللّه . وفي قولٍ ثالثٍ للشّافعيّة قديمٍ: أنّ زكاة العروض تخرج منها لا من ثمنها ، فلو أخرج من الثّمن لم يجزئ .
زكاة مال التّجارة الّذي بيد المضارب:
96 -من أعطى ماله مضاربةً لإنسانٍ فربح فزكاة رأس المال على ربّ المال اتّفاقًا ، أمّا الرّبح فقد اختلف فيه فظاهر كلام الحنفيّة أنّ على المضارب زكاة حصّته من الرّبح إن ظهر في المال ربح وتمّ نصيبه نصابًا . وذهب المالكيّة إلى أنّ مال القراض يزكّي منه ربّ المال رأس ماله وحصّته من الرّبح كلّ عامٍ ، وهذا إن كان تاجرًا مديرًا ، وكذا إن كان محتكرًا وكان عامل القراض مديرًا ، وكان ما بيده من مال ربّ المال الأكثر ، وما بيد ربّه المحتكر الأقلّ . وأمّا العامل فلا يجب عليه زكاة حصّته إلاّ بعد المفاصلة فيزكّيها إذا قبضها لسنةٍ واحدةٍ . وذهب الشّافعيّة على الأظهر إلى أنّ زكاة المال وربحه كلّها على صاحب المال ، فإن أخرجها من مال القراض حسبت من الرّبح ; لأنّها من مئونة المال وذلك لأنّ المال ملكه ، ولا يملك العامل شيئًا ولو ظهر في المال ربح حتّى تتمّ القسمة . هذا على القول بأنّ العامل لا يملك بالظّهور ، أمّا على القول بأنّه يملك بالظّهور فالمذهب أنّ على العامل زكاة حصّته . وذهب الحنابلة إلى أنّ على صاحب المال زكاة المال كلّه ما عدا نصيب العامل ; لأنّ نصيب العامل ليس لربّ المال ولا تجب على الإنسان زكاة مال غيره . ويخرج الزّكاة من المال لأنّه من مئونته ، وتحسب من الرّبح ; لأنّه وقاية لرأس المال . وأمّا العامل فليس عليه زكاة في نصيبه ما لم يقتسما ، فإذا اقتسما استأنف العامل حولًا من حينئذٍ . وقال أبو الخطّاب من الحنابلة: يحتسب من حين ظهور الرّبح ، ولا تجب عليه إخراج زكاته حتّى يقبضه .
رابعًا: زكاة الزّروع والثّمار: ما تجب فيه الزّكاة من أجناس النّبات: