121 -من وجبت عليه الزّكاة إمّا أن يخرجها بإعطائها مباشرةً إلى الفقراء وسائر المستحقّين ، وإمّا أن يدفعها إلى الإمام ليصرفها في مصارفها . ونذكر هنا الأحكام المتعلّقة بالإخراج وخاصّةً الإخراج المباشر إلى الفقراء . النّيّة عند أداء الزّكاة:
122 -الزّكاة فريضة من فرائض العبادات ، كالصّلاة ، ولذلك فإنّ النّيّة شرط فيها عند عامّة العلماء . وروي عن الأوزاعيّ عدم اشتراط النّيّة فيها لأنّها دين على صاحبها ، وأداء الدّين لا يفتقر إلى نيّةٍ . واستدلّ الجمهور بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: { إنّما الأعمال بالنّيّات وإنّما لكلّ امرئٍ ما نوى } . ولأنّ إخراج المال للّه يكون فرضًا ويكون نفلًا ، فافتقرت الفريضة إلى النّيّة لتمييزها عن النّفل ، وقياسًا على الصّلاة . ومعنى النّيّة المشترطة في الزّكاة أن يقصد بقلبه أنّ ما يخرجه هو الزّكاة الواجبة عليه في ماله ، وإن كان يخرج عمّن تحت يده من صبيٍّ أو مجنونٍ أن يقصد أنّها الزّكاة الواجبة عليهما . ويعتبر أن يكون النّاوي مكلّفًا ; لأنّها فريضة . وينوي عند دفعها إلى الإمام أو إلى مستحقّها ، أو قبل الدّفع بقليلٍ . فإن نوى بعد الدّفع لم يجزئه على ما صرّح به المالكيّة والشّافعيّة . أمّا عند الحنفيّة فالشّرط مقارنة النّيّة للأداء ولو حكمًا ، كما لو دفع بلا نيّةٍ ثمّ نوى والمال لا يزال قائمًا في ملك الفقير بخلاف ما إذا نوى بعدما استهلكه الفقير أو باعه فلا تجزئ عن الزّكاة . وقال الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة: إن عزل الزّكاة عن ماله ونوى عند العزل أنّها زكاة كفى ذلك ، ولو لم ينو عند الدّفع ، قال ابن عابدين: لأنّ الدّفع يتفرّق ، فيتحرّج باستحضار النّيّة عند كلّ دفعٍ ، فاكتفي بذلك ، للحرج . وإن دفع الزّكاة إلى وكيله ناويًا أنّها زكاة كفى ذلك ، والأفضل أن ينوي الوكيل أيضًا عند الدّفع إلى المستحقّين أيضًا ولا تكفي نيّة الوكيل وحده . ولو دفع الإنسان كلّ ماله إلى الفقراء تطوّعًا بعد ما وجبت فيه الزّكاة ، لم تسقط عنه الزّكاة ، بل تبقى في ذمّته ، وبهذا قال الشّافعيّة والحنابلة لأنّه لم ينو الفرض . وقال الحنفيّة: تسقط عنه الزّكاة في هذه الحال استحسانًا لأنّه لمّا أدّى الكلّ زالت المزاحمة بين الجزء المؤدّى وسائر الأجزاء ، وبأداء الكلّ للّه تعالى تحقّق أداء الجزء الواجب . ولا يجب تعيين المال المخرج عنه ، لكن لو عيّنه تعيّن . فلو أخرج الزّكاة ونوى عن ماله الغائب الّذي لا يعلم سلامته جاز ، لأنّ الأصل بقاؤه ثمّ إن تبيّنت سلامته أجزأه ، وإن تبيّن تلفه لم يجز أن يصرف الزّكاة إلى مالٍ آخر ، وإن نوى عن مالي الغائب أو الحاضر ، فتبيّن تلف الغائب أجزأت عن الحاضر ، وإن نوى بالمخرج أن يكون زكاة المال الموروث الّذي يشكّ في موت مورثه لم تجزئه ، لأنّه متردّد والأصل عدم الموت . ولا يشترط علم آخذ الزّكاة أنّها زكاة .
النّيّة عند أخذ السّلطان الزّكاة:
123 -إن أخذ السّلطان أو نوّابه الزّكاة من الممتنع عن أدائها قهرًا ، وبمنزلة الممتنع قهرًا من غيّب ماله لئلاّ تؤخذ منه الزّكاة ، والأسير ، ومن يتعذّر الوصول إليه ، على ما صرّح به شارح المنتهى ، فقد اختلف الفقهاء في ذلك . فقال الشّافعيّة في الأصحّ وهو قول عند الحنابلة: إن أخذ السّلطان الزّكاة من الممتنع قهرًا ونوى عند الأخذ أو عند التّفريق ، أجزأت عن الممتنع ظاهرًا وباطنًا ، لأنّ تعذّر النّيّة في حقّه أسقط وجوبها عنه ، كالصّغير والمجنون ، والسّلطان له ولاية على المالك . وأطلق المالكيّة القول بإجزائها ، وظاهره إجزاؤها ظاهرًا وباطنًا . وقال القاضي من الحنابلة: إذا أخذها السّلطان أجزأت من غير نيّةٍ سواء أخذها طوعًا أو كرهًا ، لأنّ أخذ الإمام لها بمنزلة القسم بين الشّركاء ، لأنّه وكيل الفقراء ; ولأنّ للسّلطان ولايةً عامّةً ، وبدليل أنّه يأخذها من الممتنع اتّفاقًا ، ولو لم يجزئه لما أخذها ، أو لأخذها ثانيةً وثالثةً ، حتّى ينفد ماله . وفي قول أبي الخطّاب وابن عقيلٍ من الحنابلة: إن أخذها الإمام قهرًا أجزأت ظاهرًا ، فلا يطالب بها ، ولا تجزئ باطنًا ، لأنّها عبادة ، فلا تجزئ عمّن وجبت عليه بغير نيّةٍ ، كالصّلاة ، وأخذ الإمام لها يسقط المطالبة بها لا غير .
تعجيل الزّكاة عن وقت الوجوب: