124 -ذهب جمهور الفقهاء ومنهم الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبو عبيدٍ وإسحاق ، إلى أنّه يجوز للمزكّي تعجيل إخراج زكاة ماله قبل ميعاد وجوبها ، لما ورد { أنّ العبّاس سأل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحلّ ، فرخّص له في ذلك . وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعمر: إنّا قد أخذنا زكاة العبّاس عام الأوّل للعام } . إلاّ أنّ الشّافعيّة قالوا: يجوز التّعجيل لعامٍ واحدٍ ولا يجوز لعامين في الأصحّ لأنّ زكاة العام الثّاني لم ينعقد حولها . واشترطوا لجواز ذلك أن يكون النّصاب موجودًا ، فلا يجوز تعجيل الزّكاة قبل وجود النّصاب ، بغير خلافٍ ، وذلك لأنّ النّصاب سبب وجوب الزّكاة ، والحول شرطها ولا يقدّم الواجب قبل سببه ، ويجوز تقديمه قبل شرطه ، كإخراج كفّارة اليمين بعد الحلف وقبل الحنث ، وكفّارة القتل بعد الجرح وقبل الزّهوق . وتوسّع الحنفيّة فقالوا: إن كان مالكًا لنصابٍ واحدٍ جاز أن يعجّل زكاة نصبٍ كثيرةٍ لأنّ اللّاحق تابع للحاصل . والشّافعيّة أجازوا ذلك في مال التّجارة لأنّ النّصاب فيها عندهم مشترط في آخر الحول فقط لا في أوّله ولا في أثنائه . وقال الحنابلة: إن ملك نصابًا فقدّم زكاته وزكاة ما قد يستفيده بعد ذلك فلا يجزئه عندهم . وقال الحنفيّة ، وهو المعتمد عند الشّافعيّة: إن قدّم زكاته وزكاة ما قد ينتج منه ، أو يربحه منه ، أجزأه لأنّه تابع لما هو مالكه الآن . وذهب المالكيّة إلى أنّه إن أخرج زكاة الثّمار أو الزّروع قبل الوجوب ، بأن دفع الزّكاة من غيرها لم يصحّ ولم تجزئ عنه . وكذا لا تجزئ زكاة الماشية إن قدّمها وكان هناك ساعٍ يأتي لقبضها فأخرجها قبل قدومه . أمّا زكاة العين والماشية الّتي ليس لها ساعٍ فيجوز تقديمها في حدود شهرٍ واحدٍ لا أكثر ، وهذا على سبيل الرّخصة ، وهو مع ذلك مكروه والأصل عدم الإجزاء لأنّها عبادة موقوتة بالحول .
تأخير إخراج الزّكاة عن وقت وجوبها:
125 -ذهب جمهور العلماء ( الشّافعيّة والحنابلة وهو المفتى به عند الحنفيّة ) إلى أنّ الزّكاة متى وجبت ، وجبت المبادرة بإخراجها على الفور ، مع القدرة على ذلك وعدم الخشية من ضررٍ . واحتجّوا بأنّ اللّه تعالى أمر بإيتاء الزّكاة ، ومتى تحقّق وجوبها توجّه الأمر على المكلّف بها ، والأمر المطلق يقتضي الفور عندهم ; ولأنّه لو جاز التّأخير لجاز إلى غير غايةٍ فتنتفي العقوبة على التّرك ; ولأنّ حاجة الفقراء ناجزة ، وحقّهم في الزّكاة ثابت ، فيكون تأخيرها منعًا لحقّهم في وقته . وسئل أحمد: إذا ابتدأ في إخراجها فجعل يخرجها أوّلًا فأوّلًا ؟ قال: لا ، بل يخرجها كلّها إذا حال الحول . وقال: لا يجري على أقاربه من الزّكاة كلّ شهرٍ ، أي مع التّأخير . ثمّ قال الشّافعيّة والحنابلة: ويجوز التّأخير لعذرٍ . وممّا ذكره الشّافعيّة من الأعذار: أن يكون المال غائبًا فيمهل إلى مضيّ زمنٍ يمكن فيه إحضاره ، وأن يكون بإخراجها أمر مهمّ دينيّ أو دنيويّ ، وأن ينتظر بإخراجها صالحًا أو جارًا . وممّا ذكره الحنابلة أن يكون عليه مضرّة في تعجيل الإخراج ، مثل من يحول عليه الحول قبل مجيء السّاعي ، ويخشى إن أخرجها بنفسه أخذها السّاعي منه مرّةً أخرى . وكذا إن خشي في إخراجها ضررًا في نفسه أو مالٍ له سواها ، لأنّ مثل ذلك يجوز تأخير دين الآدميّ لأجله ، فدين اللّه أولى . وذهب المالكيّة إلى أنّ الحاضر يجب عليه أن يخرج زكاة ما حضر من ماله وما غاب دون تأخيرٍ مطلقًا ، ولو دعت الضّرورة لصرف ما حضر ، بخلاف المسافر فله التّأخير إن دعته الضّرورة أو الحاجة لصرف ما معه في نفقته . والقول الآخر للحنفيّة ، وعليه عامّة مشايخهم أنّ افتراض الزّكاة عمريّ ، أي على التّراخي ففي أيّ وقتٍ أدّى يكون مؤدّيًا للواجب ، ويتعيّن ذلك الوقت للوجوب ، وإذا لم يؤدّ إلى آخر عمره يتضيّق عليه الوجوب حتّى لو لم يؤدّ يأثم إذا مات . واستدلّ له الجصّاص بأنّ من عليه الزّكاة إذا هلك نصابه بعد تمام الحول والتّمكّن من الأداء لا يضمن ، ولو كانت على الفور لضمن ، كمن أخّر صوم رمضان عن وقته فإنّ عليه القضاء .
حكم من ترك إخراج الزّكاة حتّى مات: