فهرس الكتاب

الصفحة 1174 من 2053

126 -من ترك الزّكاة الّتي وجبت عليه ، وهو متمكّن من إخراجها ، حتّى مات ولم يوص بإخراجها أثم إجماعًا . ثمّ ذهب جمهور الفقهاء منهم مالك والشّافعيّ ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثورٍ ، وابن المنذر ، وهو مرويّ عن عطاءٍ ، والحسن ، والزّهريّ إلى أنّ من مات وعليه زكاة لم يؤدّها فإنّها لا تسقط عنه بالموت كسائر حقوق اللّه تعالى الماليّة ، ومنها الحجّ والكفّارات ، ويجب إخراجها من ماله سواء أوصى بها أو لم يوص ، وتخرج من كلّ ماله لأنّها دين للّه ، فتعامل معاملة الدّين ، ولا تزاحم الوصايا في الثّلث ; لأنّ الثّلث يكون فيما بعد الدّين . واستدلّوا بأنّه حقّ واجب في المال ، فلم تسقط بالموت كدين الآدميّ . ثمّ قال الشّافعيّة: إذا اجتمع دين اللّه مع دين الآدميّ يقدّم دين اللّه لحديث { دين اللّه أحقّ أن يقضى } . وقيل: يقدّم دين الآدميّ ، وقيل: يستويان . وذهب الأوزاعيّ واللّيث إلى أنّها تؤخذ من الثّلث مقدّمةً على الوصايا ولا يجاوز بها الثّلث . وذهب أبو حنيفة والثّوريّ والنّخعيّ والشّعبيّ إلى أنّ الزّكاة تسقط بالموت بمعنى أنّها لا يجب إخراجها من تركته ، فإن كان قد أوصى بها فهي وصيّة تزاحم سائر الوصايا في الثّلث ، وإن لم يوص بها سقطت ، لأنّها عبادة من شرطها النّيّة ، فسقطت بموت من هي عليه كالصّلاة والصّوم ، فإن أخرجها الورثة فهي صدقة تطوّعٍ منهم . ويستثنى من هذا عند الحنفيّة في ظاهر الرّواية عشر الخارج من الأرض ، فيؤخذ من تركة الميّت لأنّه عندهم في معنى مئونة الأرض . وفي روايةٍ: بل يسقط أيضًا . ثمّ عند المالكيّة تخرج زكاة فرّط فيها من رأس ماله إن تحقّق أنّه لم يخرجها ، أمّا إن كان ذلك بمجرّد إقراره في مرض موته وأشهد على بقائها في ذمّته ، وأوصى بإخراجها فهي من الثّلث ، وإلاّ فلا تخرج أصلًا . وأمّا زكاة عام موته فإن اعترف بحلولها وأوصى بإخراجها أخرجت من رأس المال .

تراكم الزّكاة لسنين:

127 -إذا أتى على المكلّف بالزّكاة سنون لم يؤدّ زكاته فيها وقد تمّت شروط الوجوب ، لم يسقط عنه منها شيء اتّفاقًا ، ووجب عليه أن يؤدّي الزّكاة عن كلّ السّنين الّتي مضت ولم يخرج زكاته فيها . ولكن اختلف الفقهاء في أنّه هل يسقط من المال قدر زكاته للسّنة الأولى ويزكّي في الثّانية ما عداه ، وهكذا في الثّالثة وما بعدها ، أم يزكّي كلّ المال لكلّ السّنين ؟ . قال ابن قدامة: فائدة الخلاف: أنّها إذا كانت في الذّمّة فحال على ماله حولان لم يؤدّ زكاتهما وجب عليه أداؤها لما مضى ، ولا تنقضي عنه الزّكاة في الحول الثّاني ، وكذلك إن كان أكثر من نصابٍ لم تنقص الزّكاة ، وإن مضى عليه أحوال ، فلو كان عنده أربعون شاةً مضى عليها ثلاثة أحوالٍ لم يؤدّ زكاتها وجب عليه ثلاث شياهٍ ، وإن كانت مائة دينارٍ ، فعليه سبعة دنانير ونصف ; لأنّ الزّكاة وجبت في ذمّته فلم يؤثّر في تنقيص النّصاب ، لكن إن لم يكن له مال آخر يؤدّي الزّكاة منه احتمل أن تسقط الزّكاة في قدرها ; لأنّ الدّين يمنع وجوب الزّكاة . وإن قلنا: الزّكاة تتعلّق بالعين ، وكان النّصاب ممّا تجب الزّكاة في عينه فحالت عليه أحوال لم تؤدّ زكاتها تعلّقت الزّكاة في الحول الأوّل من النّصاب بقدرها ، فإن كان نصابًا لا زيادة عليه فلا زكاة فيه فيما بعد الحول الأوّل ; لأنّ النّصاب نقص فيه ، وإن كان أكثر من نصابٍ عزل قدر فرض الحول الأوّل ، وعليه زكاة ما بقي . وهذا هو المنصوص عن أحمد في رواية جماعة .

حكم من شكّ هل أدّى الزّكاة أم لم يؤدّها:

128 -تعرّض لهذه المسألة الحنفيّة: فقالوا: إنّ من شكّ هل أدّى زكاته أو لا يجب عليه أن يزكّي بخلاف ما لو شكّ بعد الوقت أنّه هل صلّى أم لا ، لا يعيد . قالوا: لأنّ وقت الزّكاة لا آخر له ، بل هو العمر ، فالشّكّ فيها كالشّكّ في الصّلاة في الوقت . وقواعد المذاهب الأخرى تقتضي مثل ذلك فإنّ اليقين لا يزول بالشّكّ .

( صور إخراج الزّكاة ) :

129 -الزّكاة إمّا أن تخرج من أعيان المال وهو الأصل في غير زكاة العروض التّجاريّة وقد تقدّم . وإمّا أن تخرج القيمة . ذهب الجمهور إلى أنّ الواجب في زكاة عروض التّجارة إخراج القيمة ، ولا يجزئ إخراج شيءٍ من أعيان العروض عندهم ، خلافًا للحنفيّة القائلين بالجواز . ويجزئ إخراج الذّهب عن الفضّة بالقيمة وعكسه ، وهو مذهب الحنفيّة والمالكيّة ، ورواية عند الحنابلة رجّحها ابن قدامة . وذلك لأنّ المقصود من هذين الجنسين الثّمنيّة ، والتّوسّل بها إلى المقاصد ، وذلك موجود في الجنسين جميعًا ، ومن هنا فرّق من فرّق بينهما وبين سائر الأجناس ، فإنّ لكلّ جنسٍ مقصودًا مختصًّا به لا يحصل بالجنس الآخر . ولأنّ إخراج القيمة هنا قد يكون أرفق بالآخذ والمعطي . وقد يندرئ به الضّرر عنهما ، فإنّه لو تعيّن إخراج زكاة الدّنانير منها شقّ على من يملك أقلّ من أربعين دينارًا ذهبًا إخراج جزءٍ من دينارٍ ، لأنّه يحتاج إلى قطعه أو بيعه أو مشاركة الفقير له فيه ، وفي كلّ ذلك ضرر ، قال ابن قدامة: وعلى هذا لا يجوز الإبدال في موضعٍ يلحق فيه الفقير ضرر . وأضاف المالكيّة على المشهور عندهم جواز إخراج الفلوس عن كلٍّ من الذّهب والفضّة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت