130 -وأمّا ما عدا ذلك كزكاة المواشي والزّروع وإخراج زكاة الذّهب أو الفضّة عن غيرهما أو العكس ، فقد اختلف الفقهاء في إخراج القيمة على مذاهب: فذهب الجمهور ( الشّافعيّة ، والمالكيّة على قولٍ ، والحنابلة في روايةٍ وهي المذهب ) إلى أنّه لا يجوز إخراج القيم في الزّكاة ، واستثنى بعض أصحاب هذا القول نحو إخراج بنت لبونٍ عن بنت مخاضٍ . واحتجّوا بحديث { في أربعين شاةٍ شاة ، وفي مائتي درهمٍ خمسة دراهم } فتكون الشّاة المذكورة والدّراهم المذكورة هي المأمور بها ، والأمر يقتضي الوجوب . واحتجّوا أيضًا بما في حديث كتاب أبي بكرٍ { هذه الصّدقة الّتي فرضها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على المسلمين وأمر بها أن تؤدّى ، وكان فيه: في خمسٍ وعشرين من الإبل بنت مخاضٍ ، فإن لم تكن فابن لبونٍ ذكر } وهذا يدلّ على أنّه أراد عينها . وبحديث معاذٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فقال { خذ الحبّ من الحبّ ، والشّاة من الغنم ، والبعير من الإبل ، والبقرة من البقر } . قالوا: ولأنّ الزّكاة فرضت دفعًا لحاجة الفقير ، وحاجاته متنوّعة ، فينبغي أن يتنوّع الواجب ليتنوّع ما يصل إليه ، ووجبت شكرًا لنعمة المال ، ويحصل ذلك بالمواساة ممّا أنعم اللّه به عليه . ولأنّ الزّكاة قربة للّه تعالى وما كان كذلك فسبيله الاتّباع ، ولو جازت القيمة لبيّنها النّبيّ صلى الله عليه وسلم . وذهب الحنفيّة ، وهو القول المشهور عند المالكيّة ، والرّواية الأخرى عند الحنابلة وقول الثّوريّ إلى أنّ إخراج القيمة جائز ، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز . لكن قال المالكيّة: يجوز ، ويجزئ مع الكراهة ; لأنّه من قبيل شراء الإنسان الصّدقة الّتي أخرجها للّه تعالى . واحتجّ القائلون بإجزاء القيمة ، بما روي أنّ معاذًا قال لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثيابٍ آخذه منكم مكان الذّرة والشّعير ، فإنّه أهون عليكم ، وخير للمهاجرين بالمدينة . وقال عطاء: « كان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يأخذ العروض في الصّدقة من الدّراهم أي عنها ; ولأنّ الغرض منها سدّ خلّة المحتاج ، وذلك معنًى معقول ; ولأنّ حاجاته مختلفة ، وبالقيمة يحصّل ما شاء من حاجاته . وقياسًا على الجزية فإنّ القيمة مجزئة فيها اتّفاقًا ، والغرض منها كفاية المقاتلة ، ومن الزّكاة كفاية الفقير . واحتجّوا أيضًا بما في حديث أنسٍ المرفوع { من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقّة فإنّها تؤخذ منه الحقّة ، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له ، أو عشرين درهمًا } . قال ابن الهمام: فانتقل إلى القيمة في موضعين ، فعلمنا أن ليس المقصود خصوص عين السّنّ المعيّن وإلاّ لسقط إن تعذّر ، أو لوجب عليه أن يشتريه فيدفعه . ثمّ قال المالكيّة: إن أكره على دفع القيمة فدفعها أجزأت ، قولًا واحدًا . وقال ابن تيميّة: لا تجزئ القيم إلاّ عند الحاجة ، مثل من يبيع عنبه ورطبه قبل اليبس . قال: وهذا هو المنصوص عن أحمد صريحًا ، فإنّه منع من إخراج القيم وجوّزه في مواضع للحاجة .
الإخراج بإسقاط المزكّي دينه عن مستحقٍّ للزّكاة:
131 -لا يجوز للدّائن أن يسقط دينه عن مدينه الفقير المعسر الّذي ليس عنده ما يسدّ به دينه ويحسبه من زكاة ماله . فإن فعل ذلك لم يجزئه عن الزّكاة ، وبهذا قال الحنفيّة والحنابلة والمالكيّة ما عدا أشهب ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة ، وقول أبي عبيدٍ . ووجه المنع أنّ الزّكاة لحقّ اللّه تعالى ، فلا يجوز للإنسان أن يصرفها إلى نفع نفسه أو إحياء ماله ، واستيفاء دينه . وذهب الشّافعيّة في قولٍ وأشهب من المالكيّة وهو منقول عن الحسن البصريّ وعطاءٍ: إلى جواز ذلك ; لأنّه لو دفع إليه زكاته ثمّ أخذها منه عن دينه جاز ، فكذا هذا . فإن دفع الدّائن زكاة ماله إلى مدينه فردّها المدين إليه سدادًا لدينه ، أو استقرض المدين ما يسدّ به دينه فدفعه إلى الدّائن فردّه إليه واحتسبه من الزّكاة ، فإن لم يكن ذلك حيلةً ، أو تواطؤًا ، أو قصدًا لإحياء ماله ، جاز عند الجمهور ، وهو قول عند المالكيّة . وإن كان على سبيل الحيلة لم يجز عند المالكيّة والحنابلة ، وجاز عند الشّافعيّة ما لم يكن ذلك عن شرطٍ واتّفاقٍ ، بل بمجرّد النّيّة من الطّرفين . لكن صرّح الحنفيّة بأنّه لو وهب جميع الدّين إلى المدين الفقير سقطت زكاة ذلك الدّين ولو لم ينو الزّكاة ، وهذا استحسان .
احتساب المكس ونحوه عن الزّكاة:
132 -قال السّرخسيّ الحنفيّ: إذا نوى أن يكون المكس زكاةً فالصّحيح - أي عند الحنفيّة - أنّه لا يقع عن الزّكاة ، ونقله ابن عابدين عن الفتاوى البزّازيّة . وعند المالكيّة أفتى الشّيخ عليش فيمن يملك نصابًا من الأنعام ، فجعل عليه الحاكم نقدًا معلومًا كلّ سنةٍ ، يأخذه بغير اسم الزّكاة ، فلا يسوغ له أن ينوي به الزّكاة ، وإن نواها لا تسقط عنه ، وقال: أفتى به النّاصر اللّقانيّ والحطّاب . وفي المجموع للنّوويّ: اتّفق الأصحاب أنّ الخراج المأخوذ ظلمًا لا يقوم مقام العشر ، فإن أخذه السّلطان على أن يكون بدل العشر فهو كأخذ القيمة ، وفي سقوط الفرض به خلاف ، والصّحيح السّقوط به ، فعلى هذا إن لم يبلغ در العشر أخرج الباقي . وأفتى ابن حجرٍ الهيتميّ بأنّ ما يؤخذ من التّاجر من المكس لا يحسب عنه زكاةً ، ولو نوى به الزّكاة ; لأنّ الإمام لم يأخذه باسم الزّكاة . وعند الحنابلة روايتان: إحداهما يجزئ والأخرى لا يجزئ ، قال ابن مفلحٍ: وهي الأصحّ ; لأنّه أخذها غصبًا . وفي فتاوى ابن تيميّة: ما يأخذه ولاة الأمور بغير اسم الزّكاة لا يعتدّ به من الزّكاة .