141 -للإمام حقّ أخذ الزّكاة من المال الّذي وجبت فيه ( على خلافٍ في بعض الأموال يأتي بيانه ) . وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والخليفتان بعده يأخذون الزّكاة من كلّ الأموال ، إلى أن فوّض عثمان رضي الله عنه في خلافته أداء الزّكاة عن الأموال الباطنة إلى ملّاكها ، كما يأتي . ودليل ذلك قوله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم: { خذ من أموالهم صدقةً تطهّرهم وتزكّيهم بها } وقول أبي بكرٍ رضي الله عنه: واللّه لو منعوني عقالًا كانوا يؤدّونه إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه واتّفق الصّحابة على ذلك . ويجب على الإمام أخذ الزّكاة ممّن وجبت عليهم ، فقد صرّح الشّافعيّة بأنّه يجب على الإمام بعث السّعاة لأخذ الصّدقات ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده كانوا يبعثون السّعاة ، ولأنّ في النّاس من يملك المال ولا يعرف ما يجب عليه ، ومنهم من يبخل . والوجوب هو أحد قولي المالكيّة ، واحتجّوا بقوله تعالى: { خذ من أموالهم صدقةً } . والّذين رخّصوا للإمام في عدم أخذ الزّكاة من جميع الأموال أو من بعضها دون بعضٍ ، إنّما هو إذا علم الإمام أنّهم إذا لم يأخذها منهم أخرجوها من عند أنفسهم ، أمّا لو علم أنّ إنسانًا من النّاس أو جماعةً منهم لا يخرجون الزّكاة فيجب على الإمام أخذها منهم ولو قهرًا ، كما تقدّم ; لأنّ الإمامة لحراسة الدّين وسياسة الدّنيا ، ومنع الزّكاة هدم لركنٍ من أركان الدّين .
حكم دفع الزّكاة إلى الإمام العادل:
142 -المراد بالإمام العادل هنا من يأخذ الزّكاة بحقّها ، ويعطيها لمستحقّها ، ولو كان جائرًا في غير ذلك على ما صرّح به المالكيّة . ومن دفع زكاة ماله إلى الإمام العادل جاز ، وأجزأت عنه اتّفاقًا . ولو كان بإمكانه دفعها إلى الإمام وتفريقها بنفسه فقد اختلف الفقهاء في ذلك: فذهب مالك وأبو حنيفة وأبو عبيدٍ ، وهو القديم من قولي الشّافعيّ ، إلى التّفريق بين الأموال الظّاهرة ، وهي الزّروع ، والمواشي ، والمعادن ، ونحوها ، وبين الأموال الباطنة وهي الذّهب والفضّة والتّجارات . فأمّا الظّاهرة فيجب دفعها إلى الإمام ، لأنّ أبا بكرٍ طالبهم بالزّكاة وقاتلهم عليها ، ووافقه الصّحابة على هذا ، فليس للمزكّي إخراجها بنفسه ، حتّى لقد صرّح الشّافعيّة بأنّه لو أخرجها كذلك لم تجزئه . ولأنّ ما للإمام قبضه بحكم الولاية لا يجوز دفعه إلى المولّى عليه ، كوليّ اليتيم . وأمّا زكاة الأموال الباطنة فقال الحنفيّة: للإمام طلبها ، وحقّه ثابت في أخذ الزّكاة من كلّ مالٍ تجب فيه الزّكاة ، للآية . وما فعله عثمان رضي الله عنه أنّه فوّض إلى الملّاك زكاة المال الباطن ، فهم نوّابه في ذلك ، وهذا لا يسقط طلب الإمام أصلًا ، ولهذا لو علم أنّ أهل بلدةٍ لا يؤدّون زكاتهم طالبهم بها . فأمّا إذا لم يطلبها لم يجب الدّفع إليه . وقال المالكيّة والشّافعيّة: زكاة الأموال الباطنة مفوّضة لأربابها ، فلربّ المال أن يوصلها إلى الفقراء وسائر المستحقّين بنفسه . وذهب الحنابلة ، وهو الجديد المعتمد من قولي الشّافعيّ: إلى أنّ الدّفع إلى الإمام غير واجبٍ في الأموال الظّاهرة والباطنة على السّواء ، فيجوز للمالك صرفها إلى المستحقّين مباشرةً ، قياسًا للظّاهرة على الباطنة ، ولأنّ في ذلك إيصال الحقّ إلى مستحقّه الجائز تصرّفه ، فيجزئه ، كما لو دفع الدّين إلى غريمه مباشرةً ، وأخذ الإمام لها إنّما هو بحكم النّيابة عن مستحقّها ، فإذا دفعها إليهم جاز ; لأنّهم أهل رشدٍ . ثمّ قال الشّافعيّة في الأظهر: الصّرف إلى الإمام أفضل من تفريقها بنفسه ; لأنّه أعرف بالمستحقّين ، وأقدر على التّفريق بينهم ، وبه يبرأ ظاهرًا وباطنًا . ثمّ قال الحنابلة: تفرقتها بنفسه ، أولى وأفضل من دفعها إلى الإمام ، لأنّه إيصال للحقّ إلى مستحقّه ، فيسلم عن خطر الخيانة من الإمام أو عمّاله ; ولأنّ فيه مباشرة تفريج كربة من يستحقّها ، وفيه توفير لأجر العمالة ، مع تمكّنه من إعطاء محاويج أقربائه ، وذوي رحمه ، وصلتهم بها ، إلاّ أنّه إن لم يثق بأمانة نفسه فالأفضل له دفعها إلى السّاعي ، لئلاّ يمنعه الشّحّ من إخراجها . أمّا لو طلب الإمام العادل الزّكاة فإنّه يجب الدّفع إليه اتّفاقًا ، وسواء كان المال ظاهرًا أو باطنًا ، والخلاف في استحقاقه جمع زكاة المال الباطن لا يبيح معصيته في ذلك إن طلبه ، لأنّ الموضع موضع اجتهادٍ ، وأمر الإمام يرفع الخلاف كحكم القاضي ، كما هو معلوم من قواعد الشّريعة . وصرّح المالكيّة بأنّ الإمام العدل إن طلبها فادّعى المالك إخراجها لم يصدّق .
دفع الزّكاة إلى الأئمّة الجائرين ، وإلى البغاة: