16 -ذهب الفقهاء إلى أنّه لا يجزئ حال القدرة والاختيار - عن السّجود للتّلاوة في غير صلاة ركوع أو نحوه . على تفصيل مرّ في كيفيّة سجود .
وقال القليوبيّ من الشّافعيّة: يقوم مقام السّجود للتّلاوة أو الشّكر ما يقوم مقام التّحيّة لمن لم يرد فعلها ولو متطهّرًا وهو: سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلاّ اللّه واللّه أكبر .
ونقل ابن عابدين عن التتارخانية أنّه يستحبّ للتّالي أو السّامع إذا لم يمكنه السّجود أن يقول: سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير .
قال الشّبراملّسي: سئل ابن حجر عن قول الشّخص: { سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } ، عند ترك السّجود لآية السّجدة لحدث أو عجز عن السّجود كما جرت به العادة عندنا هل يقوم الإتيان بها مقام السّجود كما قالوا بذلك في داخل المسجد بغير وضوء أنّه يقول: سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلاّ اللّه واللّه أكبر .. إلخ . فإنّها تعدل ركعتين كما نقله الشّيخ زكريّا في شرح الرّوض عن الإحياء ، فأجاب بقوله: إنّ ذلك لا أصل له فلا يقوم مقام السّجدة بل يكره له ذلك إن قصد القراءة ولا يتمسّك بما في الإحياء . أمّا أوّلًا فلأنّه لم يرد فيه شيء وإنّما قال الغزاليّ: إنّه يقال: إنّ ذلك يعدل ركعتين في الفضل . وقال غيره: إنّ ذلك روي عن بعض السّلف ،ومثل هذا لا حجّة فيه بفرض صحّته فكيف مع عدم صحّته. وأمّا ثانيًا فمثل ذلك لو صحّ عنه صلى الله عليه وسلم لم يكن للقياس فيه مساغ ، لأنّ قيام لفظ مفضول مقام فعل فاضل محض فضل ، فإذا صحّ في صورة لم يجز قياس غيرها عليها في ذلك ، وأمّا ثالثًا فلأنّ الألفاظ الّتي ذكروها في التّحيّة فيها فضائل وخصوصيّات لا توجد في غيرها . ا هـ . وهو يقتضي أنّ سبحان اللّه والحمد للّه .. إلخ . لا يقوم مقام السّجود وإن قيل به في التّحيّة لما ذكره .
سجود المريض والمسافر للتّلاوة:
17 -ذهب الفقهاء إلى أنّ المريض الّذي لا يستطيع السّجود يجزئه في سجود التّلاوة الإيماء بالسّجود لعذره . وقالوا: إنّ المسافر الّذي يسجد للتّلاوة في صلاته على الرّاحلة يجزئه الإيماء على الرّاحلة تبعًا للصّلاة .
أمّا المسافر الّذي يريد السّجود للتّلاوة على الرّاحلة في غير صلاة ففيه خلاف: ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يومئ بالسّجود حيث كان وجهه ، لما روى أبو داود عن عبد اللّه بن عمر رضي الله تعالى عنهما: « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قرأ عام الفتح سجدةً فسجد النّاس كلّهم ، منهم الرّاكب والسّاجد في الأرض حتّى إنّ الرّاكب ليسجد على يده » .
ولأنّ السّجود للتّلاوة أمر دائم بمنزلة التّطوّع ، وصلاة التّطوّع تؤدّى على الرّاحلة ، وقد روى الشّيخان « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يسبّح يسجد على بعيره إلاّ الفرائض » وسومح فيها لمشقّة النّزول وإن أذهب الإيماء أظهر أركان السّجود وهو تمكين الجبهة .
ومقابل الأصحّ عند الشّافعيّة وهو قول بشر من الحنفيّة أنّه لا يجزئ الإيماء على الرّاحلة لفوات أعظم أركان سجود التّلاوة وهو إلصاق الجبهة من موضع السّجود ، فإن كان في مرقد وأتمّ سجوده جاز .
والمسافر الّذي يقرأ آية السّجدة أو يسمعها وهو ماش لا يكفيه الإيماء بل يسجد على الأرض عند جمهور الفقهاء ، وروي عن بعضهم أنّه يومئ .
قراءة آية السّجدة للسّجود:
18 -ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يكره في الجملة الاقتصار على قراءة آية السّجدة وحدها دون ما قبلها وما بعدها بقصد السّجود فقط . وإنّما كره ذلك لأنّه قصد السّجدة لا التّلاوة وهو خلاف العمل ، وحيث كره الاقتصار لا يسجد .
ولو قرأ في الصّلاة لا بقصد السّجود فلا كراهة ، وكذا لو قرأ السّجدة في صبح يوم الجمعة ، وخصّ الرّمليّ القراءة لسجدة: { ألم تَنْزِيلُ } في صبح الجمعة ، فلو قرأ غيرها بطلت صلاته إن كان عالمًا بالتّحريم لأنّه كزيادة سجود في الصّلاة عمدًا .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا بأس بأن يقرأ آية السّجدة ويدع ما سواها ، لأنّه مبادرة إليها ، ولأنّها من القرآن وقراءة ما هو من القرآن طاعة كقراءة سورة من بين السّور ، والمستحبّ أن يقرأ معها آيات دفعًا لوهم تفضيل آي السّجدة على غيرها .
مجاوزة آية السّجدة:
19 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يكره للرّجل أن يقرأ السّورة أو الآيات في الصّلاة أو غيرها يدع آية السّجدة حتّى لا يسجدها ، لأنّه لم ينقل عن السّلف بل نقلت كراهته ، ولأنّه يشبه الاستنكاف ، لأنّه قطع لنظم القرآن وتغيير لتأليفه ، واتّباع النّظم والتّأليف مأمور به ، قال تعالى: { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } . أي تأليفه ، فكان التّغيير مكروهًا ، ولأنّه في صورة الفرار من العبادة والإعراض عن تحصيلها بالفعل وذلك مكروه ، وكذا فيه صورة هجر آية السّجدة وليس شيء من القرآن مهجورًا .
وقال المالكيّة: يكره مجاوزة محلّ السّجدة بلا سجود عنده لمتطهّر طهارة صغرى وقت جواز لها ، فإن لم يكن متطهّرًا أو كان الوقت وقت نهي فالصّواب أن يجاوز الآية بتمامها لئلاّ يغيّر المعنى فيترك تلاوتها بلسانه ويستحضرها بقلبه مراعاةً لنظام التّلاوة .
سجود التّلاوة في أوقات النّهي عن الصّلاة:
20 -ذهب الحنفيّة - في ظاهر الرّواية - والمالكيّة والحنابلة - في رواية الأثرم عن أحمد - إلى أنّه لا سجود للتّلاوة في الأوقات المنهيّ عن صلاة التّطوّع فيها لعموم قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « لا صلاة بعد الصّبح حتّى ترتفع الشّمس ، ولا صلاة بعد العصر حتّى تغيب الشّمس » .