وعندهم بعد هذا القدر المتّفق عليه تفصيل: قال الحنفيّة: لو تلا شخص آية السّجدة أو سمعها في وقت غير مكروه فأدّاها في وقت مكروه لا تجزئه ، لأنّها وجبت كاملةً فلا تتأدّى بالنّاقص كالصّلاة ، ولو تلاها في وقت مكروه وسجدها فيه أجزأه لأنّه أدّاها كما وجبت ، وإن لم يسجدها في ذلك الوقت وسجدها في وقت آخر مكروه جاز أيضًا لأنّه أدّاها كما وجبت لأنّها وجبت ناقصةً وأدّاها ناقصةً .
وقال المالكيّة: يجاوز القارئ آية السّجدة إن كان يقرأ وقت النّهي - كوقت طلوع الشّمس أو غروبها أو خطبة جمعة - ولا يسجد - على الخلاف عندهم في المسألة السّابقة - ما لم يكن في صلاة فرض ، فإن كان في صلاة فرض قرأ وسجد قولًا واحدًا بلا خلاف عندهم لأنّ السّجود تبع للفرض .
وقال الحنابلة: لا يسجد في الأوقات الّتي لا يجوز أن يصلّي فيها تطوّعًا ، قال الأثرم: سمعت أبا عبد اللّه يسأل عمّن قرأ سجود القرآن بعد الفجر وبعد العصر أيسجد ؟ قال: لا ، وعن أحمد رواية أخرى أنّه يسجد .
واستدلّوا للرّاجح - رواية الأثرم - بعموم الحديث السّابق ، وبما روى أبو داود عن أبي تميمة الهجيميّ قال: « كنت أقصّ"أغطّ"بعد صلاة الصّبح فأسجد فنهاني ابن عمر ، فلم أنته، ثلاث مرار ثمّ عاد فقال: إنّي صلّيت خلف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فلم يسجدوا حتّى تطلع الشّمس »
وروى الأثرم عن عبد اللّه بن مقسم أن قاصًّا كان يقرأ السّجدة بعد العصر فيسجد فنهاه ابن عمر وقال: إنّهم لا يعقلون .
وقالوا: لا ينعقد السّجود للتّلاوة إن ابتدأه مصلّ في أوقات النّهي ولو كان جاهلًا بالحكم أو بكونه وقت نهي لأنّ النّهي في العبادات يقتضي الفساد .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يجوز سجود التّلاوة في وقت الكراهة لأنّه من ذوات الأسباب ، قال النّوويّ: مذهبنا أنّه لا يكره سجود التّلاوة في أوقات النّهي عن الصّلاة .
تلاوة آية السّجدة في الخطبة:
21 -ذهب الحنفيّة إلى أنّه لو تلا الإمام آية السّجدة على المنبر يوم الجمعة سجدها وسجد معه من سمعها . لما ورد « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم تلا سجدةً على المنبر فنزل وسجد وسجد النّاس معه » .
وقال المالكيّة: إن قرأ آية السّجدة في خطبة جمعة أو غيرها لا يسجد ، وهل يكره السّجود أو يحرم ، خلاف عندهم والظّاهر الكراهة .
وقال الشّافعيّة: يستحبّ تركها للخطيب إذا قرأ آيتها على المنبر ولم يمكنه السّجود مكانه لكلفة النّزول والصّعود ، فإن أمكنه ذلك سجد مكانه إن خشي طول الفصل ، وإلاّ نزل وسجد إن لم يكن فيه كلفة .
وقال الحنابلة: إن قرأ سجدةً في أثناء الخطبة ، فإن شاء نزل عن المنبر فسجد ، وإن أمكنه السّجود على المنبر سجد عليه استحبابًا ، وإن ترك السّجود فلا حرج لأنّه سنّة لا واجب .
قراءة الإمام آية السّجدة في صلاة السّرّ:
22 -ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه يكره للإمام أن يقرأ آية السّجدة في صلاة يخافت فيها بالقراءة ، لأنّ هذا لا ينفكّ عن أمر مكروه ، لأنّه إذا تلا آية السّجدة ولم يسجد فقد ترك الواجب عند الحنفيّة ، والسّنّة عند الحنابلة ، وإن سجد فقد لبّس على القوم لأنّهم يظنّون أنّه سها عن الرّكوع واشتغل بالسّجدة الصّلبيّة فيسبّحون ولا يتابعونه ، وذا مكروه ، وما لا ينفكّ عن مكروه كان مكروهًا ، وترك السّبب المفضي إلى ذلك أولى ، وفعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم محمول على بيان الجواز فلم يكن مكروهًا .
وقال الحنفيّة: إن تلاها مع ذلك سجد بها لتقرّر السّبب في حقّه وهو التّلاوة ، وسجد القوم معه لوجوب المتابعة عليهم .
وقال الحنابلة: يكره للإمام سجود لقراءة سجدة في صلاة سرّ لأنّه يخلط على المأمومين فإن سجد خيّر المأمومون بين المتابعة للإمام في سجوده وتركها لأنّهم ليسوا تالين ولا مستمعين، والأولى السّجود متابعةً للإمام ، لعموم الحديث: « ... وإذا سجد فاسجدوا » .
وذهب المالكيّة إلى أنّ الإمام إن قرأ سورة سجدة في صلاة سرّيّة استحبّ له ترك قراءة آية السّجدة ، فإن قرأها جهر بها ندبًا ، فيعلم المأمومون سبب سجوده ويتبعونه فيه ، فإن لم تجهر بقراءة آية السّجدة وسجد للتّلاوة اتّبع المأمومون الإمام في سجوده وجوبًا غير شرط .. عند ابن القاسم ، لأنّ الأصل عدم سهو الإمام ، وعند سحنون: يمتنع أن يتّبعوه لاحتمال سهوه ، فإن لم يتبعوه صحّت صلاتهم ، لأنّ سجود التّلاوة ليس من الأفعال المقتدى به فيها أصالةً ، وترك الواجب الّذي ليس شرطًا لا يقتضي البطلان .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّه لا يكره للإمام قراءة آية السّجدة ولو في صلاة سرّيّة ، لكن يستحبّ له تأخير السّجود للتّلاوة إلى الفراغ من الصّلاة السّرّيّة لئلاّ يشوّش على المأمومين ، ومحلّه إن قصر الفصل ، قال الرّمليّ: ويؤخذ من التّعليل أنّ الجهريّة كذلك إذا بعد بعض المأمومين عن الإمام بحيث لا يسمعون قراءته ولا يشاهدون أفعاله ، أو أخفى جهره ، أو وجد حائل أو صمم أو نحو ذلك ، وهو ظاهر من جهة المعنى ، ولو ترك الإمام السّجود للتّلاوة سنّ للمأموم السّجود بعد السّلام إن قصر الفصل ، « وما صحّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه سجد في صلاة الظّهر للتّلاوة » يحمل على أنّه كان يسمعهم أحيانًا الآية ، فلعلّه أسمعهم آيتها مع قلّتهم فأمن عليهم التّشويش ، أو قصد بيان جواز ذلك .
وقت أداء سجود التّلاوة: