وقال الحنفيّة: إذا تأخّر السّعي عن وقته الأصليّ - وهو أيّام النّحر بعد طواف الزّيارة - فإن كان لم يرجع إلى أهله فإنّه يسعى ولا شيء عليه ، لأنّه أتى بما وجب عليه ، ولا يلزمه بالتّأخير شيء ، لأنّه فعله في وقته الأصليّ وهو ما بعد طواف الزّيارة . ولا يضرّه إن كان قد جامع ، لوقوع التّحلّل الأكبر عند الحنفيّة بطواف الزّيارة ، إذ السّعي ليس بركن حتّى يمنع التّحلّل ، وإذا صار حلالًا بالطّواف فلا فرق بين أن يسعى قبل الجماع أو بعده ، غير أنّه لو كان بمكّة يسعى ولا شيء عليه لما قلنا ، وإن كان رجع إلى أهله فعليه دم لتركه السّعي بغير عذر . وإن أراد أن يعود إلى مكّة فإنّه يعود بإحرام جديد ، لأنّ إحرامه الأوّل قد ارتفع بطواف الزّيارة ، لوقوع التّحلّل الأكبر به ، فيحتاج إلى تجديد الإحرام ، إذا عاد وسعى يسقط عنه الدّم لأنّه تدارك التّرك .
قال محمّد بن الحسن: الدّم أحبّ إليّ من الرّجوع ، لأنّ فيه منفعة الفقراء ، والنّقصان ليس بفاحش .
وهذا المذكور عن الحنفيّة ينطبق على القول بالوجوب عند الحنابلة .
واجبات السّعي:
14 -أ - المشي بنفسه للقادر عليه ، وهذا عند المالكيّة والحنفيّة ، وعند الشّافعيّة والحنابلة هو سنّة . فلو سعى راكبًا أو محمولًا أو زحفًا بغير عذر صحّ سعيه باتّفاقهم جميعًا، لكن عليه الدّم عند الحنفيّة والمالكيّة ، لتركه المشي في السّعي بغير عذر ، وهو واجب عندهم ، أو إعادة السّعي .
ولا يلزمه شيء عند الشّافعيّة والحنابلة ولو مشى بغير عذر ، لأنّ المشي في السّعي سنّة عندهم .
بل صرّح الشّافعيّة بأنّ الأفضل أن لا يركب في سعيه إلاّ لعذر كما سبق في الطّواف ، لأنّ المشي أشبه بالتّواضع . واتّفقوا على أنّ السّعي راكبًا ليس بمكروه لكنّه خلاف الأفضل . ولو سعى به غيره محمولًا جاز ، لكن الأولى سعيه بنفسه إن لم يكن صبيًّا صغيرًا أو له عذر كمرض ونحوه .
15 -ب - إكمال الأشواط الثّلاثة الأخيرة عند الحنفيّة ، لأنّ الأقلّ من السّبعة واجب عند الحنفيّة ، فلو ترك الأقلّ وهو ثلاثة أشواط فما دون ذلك صحّ سعيه وعليه صدقة لكلّ شوط عندهم . أمّا الجمهور فكلّ هذه الأشواط السّبعة ركن عندهم لا يجوز أن تنقص ولو خطوةً .
سنن السّعي ومستحبّاته:
16 -أ - الموالاة بين الطّواف والسّعي: فلو فصل بينهما بفاصل طويل بغير عذر فقد أساء ويسنّ له الإعادة ، ولو لم يعد لا شيء عليه اتّفاقًا .
ودليل الفقهاء على ذلك الاعتبار بتأخير الطّواف الرّكن عن الوقوف ، فإنّه يجوز تأخيره عنه سنين كثيرةً ولا آخر له ما دام حيًّا بلا خلاف فيه عند الحنفيّة . ( ر: طواف ف /9 ، وحجّ ف /140 - 142 ) .
وملحظهم فيه أنّه أدّاه في وقته الأصليّ ، وهو ما بعد طواف الإفاضة .
17 -ب - النّيّة: هي سنّة في السّعي عند الجمهور ، والرّاجح عند الحنفيّة ، وقيل عند الحنفيّة إنّها مستحبّة . خلافًا للحنابلة القائلين باشتراطها .
قال عليّ القاريّ:ولعلّهم أدرجوا فيه السّعي في ضمن التزام الإحرام بجميع أفعال المحرم به. فلو مشى من الصّفا إلى المروة هاربًا أو بائعًا أو متنزّهًا أو لم يدر أنّه سعى جاز سعيه . وهذه توسعة عظيمة ، كعدم شرط نيّة الوقوف بعرفة .
18 -ج - أن يستلم الحجر الأسود بعد ركعتي الطّواف قبل الذّهاب إلى السّعي ، إن تيسّر له استلام الحجر ، وإلاّ أشار إليه ، فيكون الاستلام بمثابة وصلة بين الطّواف والسّعي .
19 -د - يستحبّ أن يسعى على طهارة من الحدث الأصغر والأكبر والنّجاسة ، ولو خالف صحّ سعيه . ففي الحديث الصّحيح عن عائشة رضي الله عنها « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لها لمّا حاضت: افعلي كما يفعل الحاجّ ، غير أن لا تطوفي بالبيت حتّى تطهري » متّفق عليه . وهو يدلّ دلالةً صريحةً على جواز السّعي بغير طهارة .
20 -هـ - أن يصعد على الصّفا والمروة كلّما بلغهما في سعيه بحيث يستقبل الكعبة ، وقدّره النّوويّ في المجموع بقدر قامة .
وهذا الصّعود مستحبّ عند الشّافعيّة والحنابلة وخصّوا به الرّجال دون النّساء .
21 -و - الدّعاء: عند صعود الصّفا والمروة وفي السّعي بينهما ، جعله الحنفيّة من المستحبّات . على تفصيل سيأتي .
22 -ز - السّعي الشّديد بين الميلين الأخضرين: وهما العمودان الأخضران اللّذان في جدار المسعى الآن ، وهو سنّة في الأشواط السّبعة ، ويستحبّ أن يكون فوق الرّمَل ودون العدْو . والسّنّة أن يمشي فيما سوى ذلك . فقد « كان صلى الله عليه وسلم يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصّفا والمروة » . متّفق عليه .
وقال المالكيّة: يسنّ الخبب في الذّهاب من الصّفا إلى المروة فقط ، ولا يسنّ في الإياب . وسنّيّة السّعي الشّديد هذه تختصّ بالرّجال دون النّساء ، لأنّ مبنى حالهنّ على السّتر ، فالسّنّة في حقّهنّ المشي فقط .
23 -ح - الموالاة بين أشواط السّعي: وسنّيّتها مذهب الجمهور ، خلافًا للمالكيّة والحنابلة في المعتمد ، قد جعلوا الموالاة بين أشواط السّعي شرطًا لصحّة السّعي .
وبناءً على ذلك فصّل المالكيّة فقالوا:
أولًا: إن جلس في سعيه وكان شيئًا خفيفًا أجزأه ، وإن كان لا ينبغي له ذلك .
وإن طال جلوسه وصار كالتّارك بأن كثر التّفريق ابتدأ السّعي من جديد .
ثانيًا: لا ينبغي له أن يبيع أو يشتري أو يقف مع أحد ويحدّثه ، فإن فعل وكان خفيفًا لم يضرّ وإن كان مكروهًا ، فإن كثر ابتدأ السّعي من جديد .
ثالثًا: إن أصابه حقن توضّأ وبنى على ما سبق ولم يعد .
رابعًا: إن أقيمت عليه الصّلاة تمادى إلاّ أن يضيق وقت الصّلاة فليصلّ ، ثمّ يبني على ما مضى له .