ولم يشترط الحنفيّة هذا الشّرط فللمسافر العاصي بسفره أن يترخّص برخص السّفر كلّها لإطلاق نصوص الرّخص كقوله تعالى: { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } وحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: « فرض اللّه الصّلاة على لسان نبيّكم في الحضر أربع ركعات وفي السّفر ركعتين » قالوا: ولأنّ القبيح المجاور - أي: المعصية - لا يعدم المشروعيّة بخلاف القبيح لعينه وضعًا كالكفر ، أو شرعًا كبيع الحرّ فإنّه يعدم المشروعيّة .
كما أنّ المعصية ليست سببًا للرّخصة والسّبب هو السّفر ، والمعصية ليست عين السّفر ، وقد وجد السّفر الّذي هو سبب الرّخصة .
وأمّا العاصي في سفره وهو من يقصد سفرًا مباحًا ثمّ تطرأ عليه معصية يرتكبها فقد اتّفق الفقهاء على أنّه يترخّص في سفره ، لأنّه لم يقصد السّفر للمعصية ولأنّ سبب ترخّصه - وهو السّفر - مباح قبلها وبعدها .
الأحكام الّتي تتغيّر في السّفر:
الأحكام الّتي تتغيّر في السّفر منها ما يكون للتّخفيف عن المسافر ، ومنها ما لا يكون كذلك .
أوّلًا: ما يكون للتّخفيف عن المسافر:
أ - امتداد مدّة المسح على الخفّين:
11 -ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى أنّ السّفر يمدّ مدّة المسح على الخفّين إلى ثلاثة أيّام بلياليها بعد أن كانت يومًا وليلةً للمقيم .
لما روى شريح بن هانئ قال: « سألت عائشة - رضي الله تعالى عنها - عن المسح على الخفّين . فقالت: سل عليًّا فإنّه كان يسافر مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم . فسألته فقال: جعل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيّام ولياليهنّ للمسافر ويومًا وليلةً للمقيم » . وصرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّ المسافر العاصي بسفره يمسح مدّة المقيم يومًا وليلةً ، لأنّه مقيم حكمًا .
وأجاز الحنفيّة المسح ثلاثة أيّام ولياليها في سفر المعصية .
ومذهب المالكيّة أنّه يجوز المسح على الخفّين في الحضر والسّفر من غير تحديد بمدّة معلومة من الزّمن ما لم يخلعه أو يحدث له ما يوجب الغسل ونحوه اختيار ابن تيميّة في المسافر الّذي يشقّ اشتغاله بالخلع واللّبس كالبريد المجهّز في مصلحة المسلمين .
وتفصيل ذلك في مصطلح ( مسح على الخفّين ) .
ب - قصر الصّلاة وجمعها:
12 -أجمع الفقهاء على مشروعيّة قصر الصّلاة في السّفر . لقوله تعالى: { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ } .
ولما روى يعلى بن أميّة قال: « قلت لعمر بن الخطّاب: { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ } فقد أمن النّاس . قال: عجبت ممّا عجبت منه . فسألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: صدقة تصدّق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته » .
وذهب جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى أنّ السّفر من الأعذار المبيحة لجمع الصّلوات .
وعند الحنفيّة لا يجوز الجمع بين فريضتين إلاّ في عرفة ومزدلفة . فيجمع بين الظّهر والعصر في وقت الظّهر بعرفة ، وبين المغرب والعشاء في وقت العشاء بمزدلفة .
وتفصيل ذلك في مصطلح ( صلاة المسافر ) .
ج - سقوط وجوب الجمعة:
13 -اتّفق الفقهاء على أنّ الإقامة من شروط وجوب الجمعة . وعلى هذا فلا تجب الجمعة على المسافر لقول النّبيّ: « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فعليه الجمعة إلاّ مريض أو مسافر أو امرأة أو صبيّ أو مملوك » ولأنّ النّبيّ وأصحابه كانوا يسافرون في الجمع وغيره فلم يصلّ أحد منهم الجمعة فيه مع اجتماع الخلق الكثير ، ولأنّ المسافر يحرج في حضور الجمعة . وتفصيل ذلك في مصطلح ( صلاة الجمعة ) .
د - التّنفّل على الرّاحلة:
14 -لا خلاف بين الفقهاء في جواز التّنفّل على الرّاحلة في السّفر لحديث ابن عمر رضي الله عنهما « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير » .
وتفصيل ذلك في مصطلح ( تطوّع ) .
هـ - جواز الفطر في رمضان:
15 -اتّفق الفقهاء على أنّ السّفر بشروطه السّابقة هو من الأعذار المبيحة للفطر في رمضان ، فيجوز للمسافر أن يفطر في رمضان لقوله تعالى: « ومن كان مريضًا أو على سفر فعدّة من أيّام أخر » وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « ليس من البرّ الصّوم في السّفر » وتفصيل ذلك في مصطلح ( صوم ) .
ثانيًا: أحكام السّفر لغير التّخفيف:
أ - حكم انعقاد الجمعة بالمسافر:
16 -ذهب جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى أنّ من شروط صحّة صلاة الجمعة الاستيطان ، فلا تصحّ الجمعة بالمسافر ولا تنعقد به ، أي لا يكمل به نصابها . وذهب الحنفيّة إلى انعقاد الجمعة بالمسافر . وتفصيل ذلك في مصطلح ( صلاة الجمعة ) .
ب - تحريم السّفر على المرأة إلاّ مع زوج أو محرم:
17 -اتّفق الفقهاء على أنّه يحرم على المرأة أن تسافر بمفردها ، وأنّه لا بدّ من وجود محرم أو زوج معها .
لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « لا يحلّ لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة » ، ولحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما مرفوعًا: « لا تسافر المرأة إلاّ مع ذي محرم ، ولا يدخل عليها رجل إلاّ ومعها محرم ، فقال رجل: يا رسول اللّه إنّي أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا ، وامرأتي تريد الحجّ . قال: اخرج معها » .
18 -ويستثنى من منع سفر المرأة بدون زوج أو محرم المهاجرة والأسيرة .