فهرس الكتاب

الصفحة 1254 من 2053

فقد اتّفق الفقهاء على أنّ المرأة إذا أسلمت في دار الحرب لزمها الخروج منها إلى دار الإسلام وإن لم يكن معها ذو محرم ، وكذا إذا أسرها الكفّار وأمكنها أن تهرب منهم فلها أن تخرج مع غير ذي محرم ، ولا يعتبر الحنفيّة خروج المرأة في هذه الحالة سفرًا .

قال الكمال بن الهمام: لأنّها لا تقصد مكانًا معيّنًا بل النّجاة خوفًا من الفتنة ، فقطعها المسافة كقطع السّائح .

ولذا إذا وجدت مأمنًا كعسكر من المسلمين وجب أن تقرّ ولا تسافر إلاّ بزوج أو محرم . على أنّها لو قصدت مكانًا معيّنًا لا يعتبر قصدها ولا يثبت السّفر به ، لأنّ حالها وهو ظاهر قصد مجرّد التّخلّص يبطل تحريمتها .

قال الدّسوقيّ: إن كان يحصل لها ضرر بكلّ من إقامتها وخروجها دون رفقة مأمونة خيّرت إن تساوى الضّرران .

كما أجاز المالكيّة والشّافعيّة للمرأة أن تسافر للحجّ الواجب مع الرّفقة المأمونة .

ولم يقل بذلك الحنفيّة والحنابلة ، وقد سبق تفصيله في مصطلح ( رفقة ف 9 / 22 /299 ) وألحق المالكيّة بالحجّ سفرها الواجب ، فيجوز لها أن تسافر مع الرّفقة المأمونة من النّساء الثّقات في كلّ سفر يجب عليها .

قال الباجيّ: ولعلّ هذا الّذي ذكره بعض أصحابنا إنّما هو في الانفراد والعدد اليسير ، فأمّا في القوافل العظيمة والطّرق المشتركة العامرة المأمونة فإنّها عندي مثل البلاد الّتي يكون فيها الأسواق والتّجّار فإنّ الأمن يحصل لها دون ذي محرم ولا امرأة وقد روي هذا عن الأوزاعيّ . قال الحطّاب: وذكره الزّناتيّ في شرح الرّسالة على أنّه المذهب فيقيّد به كلام غيره . أمّا سفرها في التّطوّع فلا يجوز إلاّ مع زوج أو محرم .

كما أجاز الفقهاء للمرأة الّتي وجبت عليها العدّة في سفرها أن تسافر بغير محرم .

قال الحنفيّة: إن لزمتها العدّة في السّفر ، فإن كان الطّلاق رجعيًّا فإنّها تتبع زوجها حيث مضى لأنّ النّكاح قائم وإن كان بائنًا أو مات عنها وبينها وبين كلّ من مصرها ومقصدها أقلّ من السّفر ، فإن شاءت مضت إلى المقصد وإن شاءت رجعت سواء كانت في مصر أو لا ، معها محرم أو لا ، لأنّه ليس في ذلك إنشاء سفر ، وخروج المطلّقة والمتوفّى عنها زوجها ما دون السّفر مباح إذا مسّت الحاجة إليه بمحرم وبغيره ، إلاّ أنّ الرّجوع أولى ليكون الاعتداد في منزل الزّوج . فإن كانت مسافة أحدهما أقلّ تعيّن ، ونحوه مذهب الحنابلة إلاّ أنّهم قالوا: إنّ مضيّها في سفرها لا يجوز إلاّ إذا كان معها محرم ، لكن إن كان في رجوعها خوف أو ضرر فلها المضيّ في سفرها .

وأوجب المالكيّة عليها في تلك الحالة أن ترجع إلى منزلها إن بقي شيء من العدّة ولكن مع ثقة ولو غير محرم وقال الشّافعيّة الأفضل عود المرأة إلى بيتها ولا يلزمها ذلك إن مات زوجها وهما في السّفر .

حكم السّفر في يوم الجمعة:

19 -اتّفق الفقهاء على حرمة السّفر في يوم الجمعة بعد الزّوال لمن تلزمه الجمعة ، لأنّ وجوبها تعلّق به بمجرّد دخول الوقت ، فلا يجوز له تفويته .

والحكم عند الحنفيّة الكراهة التّحريميّة ، وحدّدوا ذلك بالنّداء الأوّل .

واستثنوا من ذلك ما إذا تمكّن المسافر من أداء الجمعة في طريقه أو مقصده ، فلا يحرم حينئذ لحصول المقصود بذلك .

كما استثنى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة التّضرّر من فوت الرّفقة ، فلا يحرم دفعًا للضّرر عنه .

وأمّا السّفر قبل الزّوال ، فهو محلّ خلاف بين الفقهاء ، فذهب المالكيّة والحنابلة إلى كراهة السّفر قبل الزّوال ، لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « من سافر من دار إقامة يوم الجمعة دعت عليه الملائكة أن لا يصحب في سفره ، ولا يعان في حاجته » .

قال المالكيّة: بعد فجر يومها على المشهور خلافًا لما رواه عليّ بن زياد وابن وهب عن مالك بإباحته .

وقال الحنابلة: بعد طلوع الفجر قبل الزّوال إلاّ إذا أتى بها في طريقه فلا يكره .

وذهب الحنفيّة إلى جواز السّفر قبل الزّوال بلا خلاف عندهم ، وكذا بعد الفراع منها وإن لم يدركها .

وذهب الشّافعيّة إلى تحريم السّفر قبل الزّوال أيضًا - وأوّله الفجر - لوجوب السّعي على بعيد المنزل قبله ، والجمعة مضافة إلى اليوم . فإن أمكنه الجمعة في طريقه أو تضرّر بتخلّفه جاز وإلاّ فلا . ولا فرق في ذلك بين أن يكون السّفر مباحًا أو طاعةً في الأصحّ .

كما يكره عند الشّافعيّة السّفر ليلة الجمعة لخبر « من سافر ليلة الجمعة دعا عليه ملكاه » .

سفر المدين:

20 -اتّفق الفقهاء - في الجملة - على أنّه ليس لمن عليه دين حالّ أن يسافر بغير إذن دائنه .

وقد صرّح الحنفيّة بأنّ للدّائن أن يمنع المدين من السّفر إذا كان الدّين حالًّا ، وليس له ذلك في الدّين المؤجّل إلاّ إذا كان سفره طويلًا ويحلّ الدّين في أثنائه .

وهذا هو مذهب المالكيّة ، إلاّ أنّهم أجازوا له السّفر إذا كان الدّين حالًّا ولم يكن قادرًا على الوفاء .

وأجاز الشّافعيّة السّفر إن كان الدّين مؤجّلًا مطلقًا سواء أكان الأجل قريبًا أم بعيدًا .

وتفصيل ذلك في مصطلح ( غريم ، ودين ) .

آداب السّفر:

21 -للسّفر آداب كثيرة منها:

أ - إذا استقرّ عزم المسافر على السّفر ، لحجّ أو غزو أو غيرهما ، فينبغي أن يبدأ بالتّوبة من جميع المعاصي ، ويخرج من مظالم الخلق ، ويقضي ما أمكنه من ديونهم ، ويردّ الودائع ، ويستحلّ كلّ من بينه وبينه معاملة في شيء ، أو مصاحبة ويكتب وصيّته ، ويشهد عليها ، ويوكّل من يقضي ما لم يتمكّن من قضائه من ديونه ، ويترك نفقةً لأهله ومن تلزمه نفقتهم إلى حين رجوعه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت