وذهب الحنفيّة - وهو رواية عن أحمد وقول مقابل للمشهور عند المالكيّة - إلى أنّ الابتداء بالسّلام واجب . لحديث أبي هريرة أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: « حقّ المسلم على المسلم ستّ قيل: ما هنّ يا رسول اللّه ؟ قال: إذا لقيته فسلّم عليه ، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له ، وإذا عطس فحمد اللّه فشمّته ، وإذا مرض فعده ، وإذا مات فاتبعه » .
14 -وأمّا ردّ السّلام فإن كان المسلَّم عليه واحدًا تعيّن عليه الرّدّ ، وإن كانوا جماعةً كان ردّ السّلام فرض كفاية عليهم ، فإن ردّ واحد منهم سقط الحرج عن الباقين ، وإن تركوه كلّهم أثموا كلّهم ، وإن ردّوا كلّهم فهو النّهاية في الكمال والفضيلة ، فلو ردّ غيرهم لم يسقط الرّدّ عنهم ، بل يجب عليهم أن يردّوا ، فإن اقتصروا على ردّ ذلك الأجنبيّ أثموا .
هذا والأمر بالسّلام على هذا النّحو ثابت بالكتاب والسّنّة وبفعل الصّحابة فمن الكتاب قوله تعالى: { فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً } وقوله تعالى: { وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } .
ومن السّنّة ما روي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما « أنّ رجلًا سأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم - أيّ الإسلام خير ؟ قال: تطعم الطّعام وتقرأ السّلام على من عرفت وعلى من لم تعرف » .
وما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: « خلق اللّه آدم على صورته ، طوله ستّون ذراعًا ، فلمّا خلقه قال: اذهب فسلّم على أولئك - نفر من الملائكة جلوس - فاستمع ما يحيّونك ، فإنّها تحيّتك وتحيّة ذرّيّتك ، فقال السّلام عليكم ، فقالوا السّلام عليك ورحمة اللّه ، فزادوه ورحمة اللّه » .
وما روي عن أبي عمارة البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: « أمرنا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بسبع: بعيادة المريض ، واتّباع الجنائز ، وتشميت العاطس ، ونصر الضّعيف ، وعون المظلوم ، وإفشاء السّلام وإبرار المقسم » .
وما روي عن عليّ رضي الله عنه أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: « يجزئ عن الجماعة إذا مرّوا أن يسلّم أحدهم ، ويجزئ عن الجلوس أن يردّ أحدهم » .
ومن فعل الصّحابة ما روي عن الطّفيل بن أبيّ بن كعب أنّه كان يأتي عبد اللّه بن عمر ، فيغدو معه إلى السّوق قال: فإذا غدونا إلى السّوق لم يمرّ عبد اللّه على سقاط ، ولا صاحب بيعة ، ولا مسكين ولا أحد إلاّ سلّم عليه ، قال الطّفيل: فجئت عبد اللّه بن عمر يومًا فاستتبعني إلى السّوق ، فقلت له: ما تصنع بالسّوق وأنت لا تقف على البيع ، ولا تسأل عن السّلع ، ولا تسوم بها ، ولا تجلس في مجالس السّوق ، وأقول اجلس بنا هاهنا نتحدّث فقال يا أبطن - وكان الطّفيل ذا بطن - إنّما نغدو من أجل السّلام نسلّم على من لقيناه .
وما تقدّم من حكم السّلام والرّدّ خاصّ بالمسلّم الّذي لم ينشغل بالأذان أو الصّلاة أو قراءة القرآن ، أو بتلبية حجّ أو عمرة ، أو بالأكل أو بالشّرب ، أو قضاء حاجة وغيرها ، إذ السّلام على المنشغل بما ذكر ليس كالسّلام على غيره ، وبيان ذلك في ما يلي:
أ - السّلام على من يؤذّن أو يقيم:
15 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ حكم ردّ السّلام من المؤذّن الكراهة ، لأنّ الفصل بين جمل الأذان عندهم مكروهة ، ولو كان ذلك الفصل بإشارة عند المالكيّة ، خلافًا للشّافعيّة ، فله الرّدّ بالإشارة ، ويكره السّلام أيضًا عندهم على الملبّي بحجّ أو عمرة لنفس العلّة .
ويكره عند الشّافعيّة السّلام على المؤذّن والمقيم لانشغالهم بالأذان والإقامة .
وذهب الحنابلة إلى أنّه لا يسنّ السّلام على من يؤذّن أو يقيم ، ولا يجب عليه الرّدّ ، بل يجوز بالكلام ولا يبطل الأذان أو الإقامة .
ب - السّلام على المصلّي وردّه السّلام:
16 -السّلام على المصلّي سنّة عند المالكيّة جائز عند الحنابلة ، فقد سئل أحمد عن الرّجل يدخل على القوم وهم يصلّون أيسلّم عليهم ؟ قال: نعم .
وأمّا ردّ السّلام من المصلّي فقد ذكر الحنفيّة - كما في الهداية - أن لا يردّ السّلام بلسانه ، لأنّه كلام ، ولا بيده ، لأنّه سلام معنىً ، حتّى لو صافح بنيّة التّسليم تفسد صلاته .
وذكر صاحب فتح القدير أنّ ردّ المصلّي السّلام بالإشارة مكروه وبالمصافحة مفسد .
ثمّ إنّ المصلّي لا يلزمه ردّ السّلام لفظًا بعد الفراغ من الصّلاة ، بل يردّ في نفسه في رواية عن أبي حنيفة . في رواية أخرى عنه أنّه يردّ بعد الفراغ ، إلاّ أنّ أبا جعفر قال: تأويله إذا لم يعلم أنّه في الصّلاة .
وعند محمّد يردّ بعد الفراغ ، وعن أبي يوسف لا يردّ ، لا قبل الفراغ ولا بعده في نفسه . وذكر المالكيّة أنّ المصلّي لا يردّ السّلام باللّفظ ، فإن ردّ عمدًا أو جهلًا بطل .
وردّه باللّفظ سهوًا يقتضي سجود السّهو ، بل يجب عليه أن يردّ السّلام بالإشارة ، خلافًا للشّافعيّة القائلين بعدم وجوب الرّدّ عليه .
وذهب الحنابلة إلى أنّ ردّ المصلّي السّلام بالكلام عمدًا يبطل الصّلاة .
وردّ المصلّي السّلام بالإشارة مشروع عند الحنابلة .
وأمّا ابتداء المصلّي السّلام على غيره وهو في الصّلاة بالإشارة بيد أو رأس فيجوز عند المالكيّة فقط ، ولا يلزمه السّجود لذلك .
ج - السّلام على المنشغل بالقراءة والذّكر والتّلبية والأكل ، وعلى قاضي الحاجة وعلى من في الحمّام ونحو ذلك: