فهرس الكتاب

الصفحة 1260 من 2053

20 -ذكر ابن عابدين أنّ السّلام على الفاسق المجاهر بفسقه مكروه وإلاّ فلا ، ومثل الفاسق في هذا لاعب القمار وشارب الخمر مطيّر الحمام والمغنّي والمغتاب حال تلبّسهم بذلك، نقل عن فصول العلّاميّ أنّه لا يسلّم ، ويسلّم على قوم في معصية وعلى من يلعب بالشّطرنج ناويًا أن يشغلهم عمّا هم فيه عند أبي حنيفة ، وكره عندهما تحقيرًا لهما .

وذكر المالكيّة أنّ ابتداء السّلام على أهل الأهواء مكروه ، كابتدائه على اليهود والنّصارى . وذكر النّوويّ في الرّوضة وجهين في استحباب السّلام على الفسّاق وفي وجوب الرّدّ على المجنون والسّكران إذا سلّما .

وذكر في الأذكار أنّ المبتدع ومن اقترف ذنبًا عظيمًا ولم يتب منه ينبغي أن لا يسلّم عليهم ولا يردّ عليهم السّلام . محتجًّا بما رواه البخاريّ ومسلم في صحيحيهما من قصّة « كعب بن مالك رضي الله عنه حين تخلّف عن غزوة تبوك هو ورفيقان له فقال: ونهى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا . قال: وكنت آتي رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فأسلّم عليه فأقول: هل حرّك شفتيه بردّ السّلام أم لا ؟ » . وبما رواه البخاريّ أيضًا في الأدب المفرد عن عبد اللّه بن عمرو قال:"لا تسلّموا على شرّاب الخمر".

قال النّوويّ: فإن اضطرّ إلى السّلام على الظّلمة ، بأن دخل عليهم وخاف ترتّب مفسدة في دينه أو دنياه أو غيرهما إن لم يسلّم سلّم عليهم ، وذكر عن أبي بكر بن العربيّ أنّه يسلّم وينوي أنّ السّلام اسم من أسماء اللّه تعالى ، فيكون المعنى اللّه عليكم رقيب .

وذكر ابن مفلح في الآداب الشّرعيّة أنّه: يكره لكلّ مسلم مكلّف أن يسلّم على من يلعب النّرد أو الشّطرنج ، وكذا مجالسته لإظهاره المعصية ، وقال أحمد فيمن يلعب بالشّطرنج ما هو أهل أن يسلّم عليه ، كما لا يسلّم على المتلبّسين بالمعاصي ، ويردّ عليهم إن سلّموا إلاّ أن يغلب على ظنّه انزجارهم بترك الرّدّ .

قال أبو داود: قلت لأحمد: أمرّ بالقوم يتقاذفون أسلّم عليهم ؟ قال هؤلاء قوم سفهاء ، والسّلام اسم من أسماء اللّه تعالى ، قلت لأحمد أسلّم على المخنّث ؟ قال لا أدري السّلام اسم من أسماء اللّه عزّ جلّ .

وأمّا ردّ السّلام على الفاسق أو المبتدع فلا يجب زجرًا لهما كما في روح المعاني .

السّلام على أهل الذّمّة وغيرهم من الكفّار:

21 -ذهب الحنفيّة إلى أنّ السّلام على أهل الذّمّة مكروه لما فيه من تعظيمهم ، ولا بأس أن يسلّم على الذّمّيّ إن كانت له عنده حاجة ، لأنّ السّلام حينئذ لأجل الحاجة لا لتعظيمه ، ويجوز أن يقول: السّلام على من اتّبع الهدى .

وذهب المالكيّة أيضًا إلى أنّ ابتداء اليهود والنّصارى وسائر فرق الضّلال بالسّلام مكروه ، لأنّ السّلام تحيّة والكافر ليس من أهلها .

ويحرم عند الشّافعيّة بداءة الذّمّيّ بالسّلام ، وله أن يحيّيه بغير السّلام بأن يقول: هداك اللّه أو أنعم اللّه صباحك إن كانت له عنده حاجة ، وإلاّ فلا يبتدئه بشيء من الإكرام أصلًا ، لأنّ ذلك بسط له وإيناس وإظهار ودّ . وقد قال اللّه تعالى: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } .

وقال النّوويّ في الأذكار: اختلف أصحابنا في أهل الذّمّة ، فقطع الأكثرون بأنّه لا يجوز ابتداؤهم بالسّلام ، وقال آخرون ليس هو بحرام بل هو مكروه .

وحكى الماورديّ وجهًا لبعض أصحابنا ، أنّه يجوز ابتداؤه بالسّلام ، ولكن يقتصر المسلّم على قوله: السّلام عليك ولا يذكره بلفظ الجمع ، إلاّ أنّ النّوويّ وصف هذا الوجه بأنّه شاذّ . وبداءة أهل الذّمّة بالسّلام لا تجوز أيضًا عند الحنابلة ، كما لا يجوز أن نحيّيهم بتحيّة أخرى غير السّلام . قال أبو داود: قلت لأبي عبد اللّه: تكره أن يقول الرّجل للذّمّيّ كيف أصبحت ؟ أو كيف حالك ؟ أو كيف أنت ؟ أو نحو هذا ؟ قال: نعم هذا عندي أكثر من السّلام .

وذكر الحنفيّة أنّه لو قال للذّمّيّ: أطال اللّه بقاءك جاز إن نوى أنّه يطيله ليسلم أو ليؤدّي الجزية لأنّه دعاء بالإسلام وإلاّ فلا يجوز .

ودليل كراهة البداءة بالسّلام قول رسول - صلى الله عليه وسلم - « لا تبدءوا اليهود ولا النّصارى بالسّلام ، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطرّوه إلى أضيقه » .

والاستقالة أن يقول له: ردّ سلامي الّذي سلّمته عليك ، لأنّي لو علمت أنّك كافر ما سلّمت عليك .

ويستحبّ له عند الشّافعيّة والحنابلة إن سلّم على من يظنّه مسلمًا فبان ذمّيًّا أن يستقيله بأن يقول له: ردّ سلامي الّذي سلّمته عليك ، لما روي عن ابن عمر"أنّه مرّ على رجل فسلّم عليه فقيل: إنّه كافر فقال: ردّ عليّ ما سلّمت عليك فردّ عليه ، فقال أكثر اللّه مالك وولدك، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال: أكثر للجزية". وقال المالكيّة: لا يستقيله .

وإذا كتب إلى الذّمّيّ كتابًا اقتصر على قوله فيه: السّلام على من اتّبع الهدى ، اقتداءً برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في اقتصاره على ذلك حين كتب إلى هرقل ملك الرّوم. وإذا مرّ واحد على جماعة فيهم مسلمون ولو واحدًا وكفّار فالسّنّة أن يسلّم عليهم ويقصد المسلمين أو المسلم . لما روى أسامة بن زيد رضي الله عنهما . « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مرّ على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود فسلّم عليهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم » .

ردّ السّلام على أهل الذّمّة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت