28 -إذا شكّ الحاجّ في عدد أشواط الطّواف بنى على اليقين ، قال ابن المنذر: وعلى هذا أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم لأنّها عبادة متى شكّ فيها وهو فيها بنى على اليقين كالصّلاة . ولأنّ الشّكّ في النّقصان كتحقّقه . وإن أخبره ثقة بعد طوافه رجع إليه إذا كان عدلًا ، وإن شكّ في ذلك بعد فراغه من الطّواف لم يلتفت إليه كما لو شكّ في عدد الرّكعات بعد فراغه من الصّلاة .
وفي الموطّأ: من شكّ في طوافه بعد ما ركع ركعتي الطّواف فليعد ليتمّ طوافه على اليقين ثمّ ليعد الرّكعتين لأنّه لا صلاة لطواف إلاّ بعد إكمال السّبع .
وإذا شكّ في الطّهارة وهو في الطّواف لم يصحّ طوافه ذلك لأنّه شكّ في شرط العبادة قبل الفراغ منها فأشبه ما لو شكّ في الطّهارة أثناء الصّلاة .
الشّكّ في الذّبائح:
29 -من التبست عليه المذكّاة بالميتة حرمتا معًا لحصول سبب التّحريم الّذي هو الشّكّ .
وكذلك لو رمى المسلم طريدةً بآلة صيد فسقطت في ماء وماتت والتبس عليه أمرها ، فلا تؤكل للشّكّ في المبيح .
ولو وجدت شاة مذبوحة ببلد فيه من تحلّ ذبيحته ومن لا تحلّ ذبيحته ووقع الشّكّ في ذابحها لا تحلّ إلاّ إذا غلب على أهل البلد من تحلّ ذبيحتهم .
الشّكّ في الطّلاق:
30 -شكّ الزّوج في الطّلاق لا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون الشّكّ في وقوع أصل التّطليق ، أي شكّ هل طلّقها أم لا ؟ فلا يقع الطّلاق في هذه الحالة بإجماع الأمّة ، واستدلّوا لذلك بأنّ النّكاح ثابت بيقين فلا يزول بالشّكّ لقوله تعالى: { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } .
الحالة الثّانية: أن يقع الشّكّ في عدد الطّلاق - مع تحقّق وقوعه - هل طلّقها واحدةً أو اثنتين أو ثلاثًا ؟ لم تحلّ له - عند المالكيّة ، والخرقيّ من الحنابلة ، وبعض الشّافعيّة - إلاّ بعد زوج آخر لاحتمال كونه ثلاثًا . عملًا بقوله عليه الصلاة والسلام: » دع ما يريبك إلى ما لا يريبك « ويحكم بالأقلّ عند أبي حنيفة والشّافعيّ وأحمد ، فإذا راجعها حلّت له على رأي هؤلاء .
الحالة الثّالثة: أن يقع الشّكّ في صفة الطّلاق كأن يتردّد مثلًا في كونها بائنةً أو رجعيّةً ، وفي هذه الحالة يحكم بالرّجعيّة لأنّها أضعف الطّلاقين فكان متيقّنًا بها .
وذكر الكاسانيّ - في هذا المعنى - أنّ الرّجل لو قال لزوجته: أنت طالق أقبح طلاق فهو رجعيّ عند أبي يوسف لأنّ قوله: أقبح طلاق يحتمل القبح الشّرعيّ وهو الكراهية الشّرعيّة ، ويحتمل القبح الطّبيعيّ وهو الكراهية الطّبيعيّة ، والمراد بها أن يطلّقها في وقت يكره الطّلاق فيه طبعًا ، فلا تثبت البينونة فيه بالشّكّ ، وهو بائن عند محمّد بن الحسن الشّيبانيّ لأنّ المطلّق قد وصف الطّلاق بالقبح ، والطّلاق القبيح هو الطّلاق المنهيّ عنه ، وهو البائن ، ولذلك يقع بائنًا .
الشّكّ في الرّضاع:
31 -الاحتياط لنفي الرّيبة في الأبضاع متأكّد ويزداد الأمر تأكيدًا إذا كان مختصًّا بالمحارم .
فلو شكّ في وجود الرّضاع أو في عدده بنى على اليقين ، لأنّ الأصل عدم الرّضاع في الصّورة الأولى وعدم حصول المقدار المحرّم في الصّورة الثّانية إلاّ أنّها تكون من الشّبهات وتركها أولى لقوله - عليه الصلاة والسلام -: » من اتّقى الشّبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه « .
ويرى القرافيّ أنّ الشّكّ فيما يقرب من هذا الموضوع وما ناظره قد يعدّ - في بعض الحالات - من الأسباب الّتي تدعو إلى الحكم بالتّحريم ، من ذلك مثلًا ما لو شكّ الرّجل في أجنبيّة وأخته من الرّضاع حرمتا عليه معًا .
الشّكّ في اليمين:
32 -إمّا أن يكون الشّكّ في أصل اليمين هل وقعت أو لا: كشكّه في وقوع الحلف أو الحلف والحنث ، فلا شيء على الشّاكّ في هذه الصّورة لأنّ الأصل براءة الذّمّة واليقين لا يزول بالشّكّ . وإمّا أن يكون الشّكّ في المحلوف به كما إذا حلف وحنث ، وشكّ هل حلف بطلاق أو عتق أو مشي إلى بيت اللّه تعالى ، أو صدقة ، فالواجب عليه في هذه الحالة وما ماثلها - عند المالكيّة- طلاق نسائه وعتق رقيقه والمشي إلى مكّة والتّصدّق بثلث ماله ، وهو مأمور بذلك كلّه على وجه الإفتاء لا على وجه القضاء إذ الحالف - في رأيهم - يؤمر بإنفاذ الأيمان المشكوك فيها من غير قضاء .
ويرى الحنفيّة أنّ الشّاكّ في هذه الصّورة لا شيء عليه لأنّ الطّلاق والعتاق لا يقعان بالشّكّ ، ولأنّ الكفّارة المترتّبة على الحلف باللّه لا تجب مع الشّكّ أيضًا إذ الأصل براءة الذّمّة .
ويضيفون إلى هذا الحلف إذا كان معلّقًا بشرط معلوم مع الشّكّ في القسم هل كان باللّه إذا تحقّق الشّرط وكان الحالف مسلمًا ، لأنّ الحلف بالطّلاق والعتاق غير مشروع فيجب حمل المسلم على الإتيان بالمشروع دون المحظور .
الشّكّ في النّذر:
33 -لو شكّ النّاذر في نوع المنذور هل هو صلاة أو صيام أو صدقة أو عتق ؟ تلزمه - عند جمهور الأئمّة - كفّارة يمين ، لأنّ الشّكّ في المنذور كعدم تسميته .
الشّكّ في الوصيّة:
34 -قال أبو حنيفة - في رجل أوصى بثلث ماله لرجل مسمّىً وأخبر أنّ ثلث ماله ألف مثلًا فإذا ثلث ماله أكثر ممّا ذكر -: إنّ له الثّلث من جميع المال والتّسمية الّتي سمّى باطلة لأنّها خطأ ، والخطأ لا ينقض الوصيّة ولا يكون رجوعًا فيها ، ووافقه أبو يوسف في هذا الرّأي لأنّه لمّا أوصى بثلث ماله فقد أتى بوصيّة صحيحة حيث إنّ صحّتها لا تتوقّف على بيان المقدار الموصى به فتقع الوصيّة صحيحةً بدونه .
الشّكّ في الدّعوى ، أو محلّها ، أو محلّ الشّهادة: