35 -أ - لو ادّعى شخص دينًا على آخر وشكّ المدين في قدره ينبغي لزوم إخراج القدر المتيقّن .
قال الحمويّ: قيل: الظّاهر أنّه ليس على سبيل الوجوب وإنّما هو على سبيل التّورّع والأخذ بالأحوط لأنّ الأصل براءة الذّمّة .
والمراد بالقدر المتيقّن - في هذه الحالة وما ماثلها - هو أكثر المبلغين: فإذا كان الشّكّ دائرًا بين عشرة وخمسة فالمتيقّن العشرة لدخول الخمسة فيها ، وبهذا الاعتبار يكون الأكثر بالنّسبة إلى الأقلّ متيقّنًا دائمًا رغم وقوع الشّكّ فيهما .
وذكر بعض الفقهاء: أنّ المدين في هذه الحالة عليه أن يرضي خصمه ولا يحلف خشية أن يقع في الحرام ، وإن أصرّ خصمه على إحلافه حلف إن كان أكبر ظنّه أنّه مبطل ، أمّا إذا ترجّح عنده أنّ صاحب الدّعوى محقّ فإنّه لا يحلف .
ب - لو اشترى أحد حيوانًا أو متاعًا ثمّ ادّعى أنّ به عيبًا وأراد ردّه واختلف أهل الخبرة فقال بعضهم: هو عيب وقال بعضهم: ليس بعيب ، فليس للمشتري الرّدّ لأنّ السّلامة هي الأصل المتيقّن فلا يثبت العيب بالشّكّ .
ج - لو ادّعت المرأة عدم وصول النّفقة والكسوة المقرّرتين لها في مدّة معيّنة فالقول لها ، لأنّ الأصل المتيقّن بقاؤها في ذمّة الزّوج وأمّا دعواه فمشكوك فيها ولا يزول يقين بشكّ .
د - إذا كان إنسان يعلم أنّ عليًّا مدين لعمر بألف دينار مثلًا فإنّه يجوز له أن يشهد على عليّ ، وإن خامره الشّكّ في وفائها أو في الإبراء عنها إذ لا عبرة بالشّكّ في جانب اليقين السّابق .
الشّكّ في الشّهادة:
36 -لو قال الشّاهد: أشهد بأنّ لفلان على فلان مائة دينار - مثلًا - فيما أعلم أو فيما أظنّ ، أو حسب ظنّي لم تقبل شهادته للشّكّ الّذي داخلها من الزّيادة على لفظها ، لأنّ ركن الشّهادة لفظ أشهد لا غير لتضمّنه معنى الشّهادة والقسم والإخبار للحال فكأنّه يقول: أقسم باللّه لقد اطّلعت على ذلك وأنا أخبر به ، ومن أجل ذلك تعيّن لفظ أشهد .
وقد بيّن سحنون - من المالكيّة - أنّ الشّهود لو شهدوا على امرأة بنكاح أو إقرار أو إبراء وسأل الخصم إدخالها في نساء للتّعرّف عليها من بينهنّ فقالوا: شهدنا عليها عن معرفتها بعينها ونسبها ولا ندري هل نعرفها اليوم وقد تغيّرت حالها فلا نتكلّف ذلك ، فلا بدّ والحالة هذه من التّعرّف عليها وإلاّ ردّت شهادتهم للشّكّ ، أمّا لو قالوا: نخاف أن تكون تغيّرت ، فالواجب أن يقال لهم: إن شككتم وقد أيقنتم أنّها ابنة فلان وليس لفلان هذا إلاّ بنت واحدة من حين شهدوا عليها إلى اليوم جازت الشّهادة - في هذه الحالة - وقبلت .
وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ المالكيّة يرون أنّ الشّهادة مع الشّكّ تسلب صفة العدالة للشّاهد . ومن أجل ذلك وغيره أكّد جميع الفقهاء أنّ المعاوضة لا تثبت بالشّكّ . ووضعوا قيودًا لقبول شهادة السّماع للشّكّ الّذي يمكن أن يداخلها .
الشّكّ في النّسب:
37 -أ - كلّ مطلّقة عليها العدّة فنسب ولدها يثبت من الزّوج إلاّ إذا علم يقينًا أنّه ليس منه ، وهو أن تجيء به لأكثر من سنتين وإنّما كان كذلك لأنّ الطّلاق قبل الدّخول يوجب انقطاع النّكاح بجميع علائقه فكان النّكاح من كلّ وجه زائلًا بيقين وما زال بيقين لا يثبت إلاّ بيقين مثله فإذا جاءت بولد لأقلّ من ستّة أشهر من يوم الطّلاق فقد تيقّنّا أنّ العلوق وجد في حال الفراش وإنّه وطئها وهي حامل منه إذ لا يحتمل أن يكون بوطء بعد الطّلاق لأنّ المرأة لا تلد لأقلّ من ستّة أشهر فكان من وطء وجد على فراش الزّوج وكون العلوق في فراشه يوجب ثبوت النّسب منه . فإذا جاءت بولد لستّة أشهر فصاعدًا لم يستيقن بكونه مولودًا على الفراش لاحتمال أن يكون بوطء بعد الطّلاق والفراش كان زائلًا بيقين فلا يثبت مع الشّكّ .
ب - إذا ادّعى إنسان نسب لقيط ألحق به ، لانفراده بالدّعوى ، فإذا جاء آخر بعد ذلك وادّعاه فلم يزل نسبه عن الأوّل - رغم الشّكّ الّذي أحدثته دعوى الثّاني - لأنّه حكم له به فلا يزول بمجرّد الدّعوى ، إلاّ إذا شهد القائفون بأنّه للثّاني فالقول قولهم لأنّ القيافة تعتبر بيّنةً في إلحاق النّسب. وإذا ادّعى اللّقيط اثنان فألحقه القائفون بهما صحّ ذلك شرعًا وكان ابنهما يرثهما ميراث ابن ويرثانه ميراث أب واحد ، وهذا الرّأي يروى عن عمر بن الخطّاب وعليّ بن أبي طالب وهو قول أبي ثور .
وقال أصحاب الرّأي يلحق بهما بمجرّد الدّعوى للآثار الكثيرة الواردة في ذلك .
الشّكّ ينتفع به المتّهم:
38 -اتّفق الفقهاء على أنّه: تدرأ الحدود بالشّبهات . والأصل في ذلك عن عائشة أمّ المؤمنين - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: » ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ، فإن كان له مخرج فخلّوا سبيله فإنّ الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة « ، وفي حديث آخر: » ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعًا « .
وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص: أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: » تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حدّ فقد وجب « .
وهذه القاعدة توجب أوّلًا: اعتماد اليقين - ما أمكن - في نسبة الجريمة إلى المتّهم .
وثانيًا: أنّ الشّكّ - مهما كانت نسبته ومهما كان محلّه ومهما كان طريقه - ينتفع به المتّهم فيدرأ عنه الحدّ ، يقول الشّاطبيّ: فإنّ الدّليل يقوم - هناك - مفيدًا للظّنّ في إقامة الحدّ ، ومع ذلك فإذا عارضته شبهة وإن ضعفت - غلب - حكمها ودخل صاحبها في مرتبة العفو .
وثالثًا: الخطأ في العفو أفضل شرعًا من الخطأ في العقوبة حيث إنّ تبرئة المجرم فعلًا أحبّ إلى اللّه ورسوله من معاقبة البريء .