ومن العجز الحكمي أيضًا: كمن يسيل أو جرحه إذا قام ، أو يسلس بوله ، أو يبدو ربع عورته ، أو يضعف عن القراءة أصلًا - أمّا لو قدر على بعض القراءة إذا قام فإنّه يلزمه أن يقرأ مقدار قدرته ، والباقي قاعدًا ، أو عن صوم رمضان ، فيتحتّم القعود عليه في هذه المسائل لعجزه عن القيام حكمًا إذ لو قام لزم فوت الطّهارة أو السّتر أو القراءة أو الصّوم بلا خلف .
ب - القراءة:
31 -ويتحقّق ركن القراءة بقراءة آية من القرآن ، ومحلّها ركعتان في الفرض وجميع ركعات النّفل والوتر .
قال الكاسانيّ: عن أبي حنيفة في قدر القراءة ثلاث روايات . في ظاهر الرّواية قدّر أدنى المفروض بالآية التّامّة طويلةً كانت أو قصيرةً كقوله تعالى: { مُدْهَامَّتَانِ } وقوله: { ثُمَّ نَظَرَ } وقوله: { ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ } .
وفي رواية: الفرض غير مقدّر ، بل هو على أدنى ما يتناوله الاسم سواء كانت آيةً أو ما دونها بعد أن قرأها على قصد القراءة .
وفي رواية: قدر الفرض بآية طويلة كآية الكرسيّ وآية الدّين ، أو ثلاث آيات قصار ، وبه أخذ أبو يوسف .
وأصله قوله تعالى: { فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ } فهما يعتبران العرف، ويقولان: مطلق الكلام ينصرف إلى المتعارف ، وأدنى ما يسمّى المرء به قارئًا في العرف أن يقرأ آيةً طويلةً، أو ثلاث آيات قصار ، وأبو حنيفة يحتجّ بالآية من وجهين:
أحدهما: أنّه أمر بمطلق القراءة ، وقراءة آية قصيرة قراءة .
والثّاني: أنّه أمر بقراءة ما تيسّر من القرآن ، وعسى أن لا يتيسّر إلاّ هذا القدر .
وقد أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسيّة سواء كان يحسن القراءة بالعربيّة أو لا يحسن .
وقال أبو يوسف ومحمّد: إن كان يحسن لا يجوز ، وإن كان لا يحسن يجوز ، وإلى قولهما رجع أبو حنيفة كما جاء في ابن عابدين ، وأمّا قراءة الفاتحة فسيأتي أنّها واجبة وليست بركن .
ج - الرّكوع:
32 -وأقلّه طأطأة الرّأس مع انحناء الظّهر ، لأنّه هو المفهوم من موضوع اللّغة فيصدق عليه قوله تعالى: { ارْكَعُوا } ، وفي السّراج الوهّاج: هو بحيث لو مدّ يديه نال ركبتيه .
د - السّجود:
33 -ويتحقّق بوضع جزء من جبهته وإن قلّ ، ووضع أكثرها واجب للمواظبة ، كما يجب وضع الأنف مع الجبهة ، وفي وضع القدمين ثلاث روايات: الأولى: فرضيّة وضعهما . والثّانية: فرضيّة إحداهما . والثّالثة: عدم الفرضيّة: أي أنّه سنّة .
قال ابن عابدين: إنّ المشهور في كتب المذهب اعتماد الفرضيّة ، والأرجح من حيث الدّليل والقواعد عدم الفرضيّة ، ولذا قال في العناية والدّرر: إنّه الحقّ ، ثمّ الأوجه حمل عدم الفرضيّة على الوجوب .
هـ - القعدة الأخيرة قدر التّشهّد:
34 -وهي محلّ خلاف عندهم . فقال بعضهم: هي ركن أصليّ .
وقال بعضهم: إنّها واجبة لا فرض ،لكن الواجب - هنا - في قوّة الفرض في العمل كالوتر. وعند بعضهم: إنّها فرض وليست بركن أصليّ بل هي شرط للتّحليل .
و - الخروج بصنعه:
35 -أي بصنع المصلّي - فعله الاختياريّ - بأيّ وجه كان من قول أو فعل ، والواجب الخروج بلفظ السّلام ويكره تحريمًا الخروج بغيره كأن يضحك قهقهةً ، أو يحدث عمدًا ، أو يتكلّم ، أو يذهب ، واحترز ( بصنعه ) عمّا لو كان سماويًّا كأن سبقه الحدث .
36 -قال الحصكفيّ شارح تنوير الأبصار: وبقي من الفروض: تمييز المفروض ، وترتيب القيام على الرّكوع ، والرّكوع على السّجود ، والقعود الأخير على ما قبله ، وإتمام الصّلاة ، والانتقال من ركن إلى آخر ، ومتابعته لإمامه في الفروض ، وصحّة صلاة إمامه في رأيه ، وعدم تقدّمه عليه ، وعدم مخالفته في الجهة ، وعدم تذكّر فائتة ، وعدم محاذاة امرأة بشرطهما ، وتعديل الأركان عند الثّاني"وهو أبو يوسف".
واختلفوا في تفسير تمييز المفروض ، ففسّره بعضهم: بأن يميّز السّجدة الثّانية عن الأولى، بأن يرفع ولو قليلًا أو يكون إلى القعود أقرب ، وذهب آخرون إلى أنّ المراد بالتّمييز تمييز ما فرض عليه من الصّلوات عمّا لم يفرض عليه ، حتّى لو لم يعلم فرضيّة الخمس ، إلاّ أنّه كان يصلّيها في وقتها لا يجزيه .
ولو علم أنّ البعض فرض والبعض سنّة ونوى الفرض في الكلّ ، أو لم يعلم ونوى صلاة الإمام عند اقتدائه في الفرض جاز ، ولو علم الفرض دون ما فيه من فرائض وسنن جازت صلاته أيضًا ، فليس المراد المفروض من أجزاء كلّ صلاة ، أي كأن يعلم أنّ القراءة فيها فرض وأنّ التّسبيح سنّة وهكذا . والمراد بترتيب القيام على الرّكوع ،والرّكوع على السّجود، والقعود الأخير على ما قبله ، تقديمه عليه حتّى لو ركع ثمّ قام لم يعتبر ذلك الرّكوع ، فإن ركع ثانيًا صحّت صلاته ، لوجود التّرتيب المفروض ، ولزمه سجود السّهو لتقديمه الرّكوع المفروض ، وكذا تقديم الرّكوع على السّجود ، وأمّا القعود الأخير فيفترض إيقاعه بعد جميع الأركان ، حتّى لو تذكّر بعده سجدةً صلبيّةً سجدها وأعاد القعود وسجد للسّهو ، ولو تذكّر ركوعًا قضاه مع ما بعده من السّجود ، أو قيامًا أو قراءةً صلّى ركعةً .
37 -ومن الفرائض - أيضًا - إتمام الصّلاة ، والانتقال من ركن إلى ركن ، لأنّ النّصّ الموجب للصّلاة يوجب ذلك ، إذ لا وجود للصّلاة بدون إتمامها وذلك يستدعي الأمرين .