قال ابن عابدين: والظّاهر أنّ المراد بالإتمام عدم القطع . وبالانتقال الانتقال عن الرّكن للإتيان بركن بعده إذ لا يتحقّق ما بعده إلاّ بذلك ، وأمّا الانتقال من ركن إلى آخر بلا فاصل بينهما فواجب حتّى لو ركع ثمّ ركع يجب عليه سجود السّهو ، لأنّه لم ينتقل من الفرض وهو الرّكوع إلى السّجود ، بل أدخل بينهما أجنبيًّا ، وهو الرّكوع الثّاني .
والنّيّة عندهم شرط وليست بركن . وتفصيله في مصطلح: ( نيّة ) .
وكذا تكبيرة الإحرام ، فهي عندهم شرط في الصّلاة عمومًا غير صلاة الجنازة ، أمّا في الجنازة فهي ركن اتّفاقًا .
تفصيل ذلك في مصطلح: ( تكبيرة الإحرام ، ف / 3 ، 13 / 218 ) .
واجبات الصّلاة:
قد سبق أنّه لم يقل بواجبات الصّلاة سوى الحنفيّة والحنابلة ، وواجبات الصّلاة عند الحنفيّة تختلف عن واجبات الصّلاة عند الحنابلة .
أ - واجبات الصّلاة عند الحنفيّة:
38 -قراءة الفاتحة . وهي من واجبات الصّلاة لثبوتها بخبر الواحد الزّائد على قوله تعالى { فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ } والزّيادة وإن كانت لا تجوز لكن يجب العمل بها .
ومن أجل ذلك قالوا بوجوبها . ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « إذا قمت إلى الصّلاة فأسبغ الوضوء ثمّ استقبل القبلة ، فكبّر ، ثمّ اقرأ ما تيسّر معك من القرآن » ولو كانت قراءة الفاتحة ركنًا لعلّمه إيّاها لجهله بالأحكام وحاجته إليه ، وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب » محمول على نفي الفضيلة .
ثمّ إنّ كلّ آية منها واجبة ، ويسجد للسّهو بتركها . وهذا على قول الإمام القائل إنّها واجبة بتمامها ، وأمّا عند الصّاحبين: فالواجب أكثرها ، فيسجد للسّهو بترك أكثرها لا أقلّها .
قال الحصكفيّ: وهو - أي قول الإمام - أولى ، وعليه فكلّ آية واجبة .
39 -ضمّ أقصر سورة إلى الفاتحة - كسورة الكوثر - أو ما يقوم مقامها من ثلاث آيات قصار نحو قوله تعالى: { ثُمَّ نَظَرَ ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ } أو آية طويلة تعدل ثلاث آيات قصار ، وقدّروها بثلاثين حرفًا .
ومحلّ هذا الضّمّ في الأوليين من الفرض ، وجميع ركعات النّفل والوتر .
40 -ويجب تعيين القراءة في الأوليين عينًا من الفرض من الثّلاثيّة والرّباعيّة .
قال ابن عابدين: وهو المشهور في المذهب الّذي عليه المتون ، وهو المصحّح .
وقيل: إنّ محلّ القراءة ركعتان من الفرض غير عين ، وكونهما في الأوليين أفضل .
وثمرة الخلاف تظهر في وجوب سجود السّهو إذا تركها في الأوليين أو في إحداهما سهوًا لتأخير الواجب سهوًا عن محلّه ، وعلى القول بالسّنّيّة لا يجب .
41 -ويجب تقديم الفاتحة على كلّ السّورة ، حتّى قالوا: لو قرأ حرفًا من السّورة ساهيًا ثمّ تذكّر يقرأ الفاتحة ثمّ السّورة ويلزمه سجود السّهو ، وقيّده في فتح القدير بأن يكون مقدار ما يتأدّى به ركن . وهو ما مال إليه ابن عابدين قال: لأنّ الظّاهر أنّ العلّة هي تأخير الابتداء بالفاتحة ، والتّأخير اليسير وهو ما دون ركن معفوّ عنه .
وكذا يجب ترك تكريرها قبل سورة الأوليين ، فلو قرأها في ركعة من الأوليين مرّتين وجب سجود السّهو ، لتأخير الواجب وهو السّورة ، ومثله ما لو قرأ أكثرها ثمّ أعادها . أمّا لو قرأها قبل السّورة مرّةً وبعدها مرّةً فلا تجب ، لعدم التّأخير ، لأنّ الرّكوع ليس واجبًا بإثر السّورة ، فإنّه لو جمع بين سور بعد الفاتحة لا يجب عليه شيء .
ولا يجب ترك التّكرار في الأخريين ، لأنّ الاقتصار على مرّة في الأخريين ليس بواجب حتّى لا يلزمه - سجود السّهو بتكرار الفاتحة فيها سهوًا ، ولو تعمّده لا يكره ما لم يؤدّ إلى التّطويل على الجماعة ، أو إطالة الرّكعة على ما قبلها .
42 -رعاية التّرتيب بين القراءة والرّكوع وفيما يتكرّر ، ومعنى كونه واجبًا: أنّه لو ركع قبل القراءة صحّ ركوع هذه الرّكعة ، لأنّه لا يشترط في الرّكوع أن يكون مترتّبًا على قراءة في كلّ ركعة ، بخلاف التّرتيب بين الرّكوع والسّجود مثلًا فإنّه فرض حتّى لو سجد قبل الرّكوع لم يصحّ سجود هذه الرّكعة ، لأنّ أصل السّجود يشترط ترتّبه على الرّكوع في كلّ ركعة كترتّب الرّكوع على القيام كذلك ، لأنّ القراءة لم تفرض في جميع ركعات الفرض بل في ركعتين منه بلا تعيين . أمّا القيام والرّكوع والسّجود فإنّها معيّنة في كلّ ركعة .
والمراد بقوله فيما يتكرّر: السّجدة الثّانية من كلّ ركعة وعدد الرّكعات . أمّا السّجدة الثّانية من كلّ ركعة: فالتّرتيب بينها وبين ما بعدها واجب ، حتّى لو ترك سجدةً من ركعة ثمّ تذكّرها فيما بعدها من قيام أو ركوع أو سجود فإنّه يقضيها ، ولا يقضي ما فعله قبل قضائها ممّا هو بعد ركعتها من قيام أو ركوع أو سجود ، بل يلزمه سجود السّهو فقط ، لكن اختلف في لزوم قضاء ما إذا تذكّرها فقضاها فيه ، كما لو تذكّر وهو راكع أو ساجد أنّه لم يسجد في الرّكعة الّتي قبلها فإنّه يسجدها ، وهل يعيد الرّكوع أو السّجود المتذكّر فيه ؟ .
ففي الهداية أنّه لا تجب إعادته بل تستحبّ معلّلًا بأنّ التّرتيب ليس بفرض بين ما يتكرّر من الأفعال ، وفي الخانيّة أنّه يعيده وإلاّ فسدت صلاته ، معلّلًا بأنّه ارتفض بالعود إلى ما قبله من الأركان ، لأنّه قبل الرّفع منه يقبل الرّفض ، بخلاف ما لو تذكّر السّجدة بعدما رفع من الرّكوع ، لأنّه بعدما تمّ بالرّفع لا يقبل الرّفض .