وقال الحنابلة: لا يتقدّر اليسير بثلاث ولا لغيرها من العدد ، بل اليسير ما عدّه العرف يسيرًا، لأنّه لا توقيف فيه فيرجع للعرف كالقبض والحرز . فإن طال عرفًا ما فعل فيها ، وكان ذلك الفعل من غير جنسها غير متفرّق أبطلها عمدًا كان أو سهوًا أو جهلًا ما لم تكن ضرورة ، فإن كانت ضرورةً ، كحالة خوف ، وهرب من عدوّ ونحوه كسيل لم تبطل ، وعدّ ابن الجوزيّ من الضّرورة الحكّة الّتي لا يصبر عليها ، وأمّا العمل المتفرّق فلا يبطل الصّلاة لما ثبت « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمّ النّاس في المسجد ، فكان إذا قام حمل أمامة بنت زينب ، وإذا سجد وضعها » ، « وصلّى النّبيّ صلى الله عليه وسلم على المنبر وتكرّر صعوده ونزوله عنه » .
ز - تخلّف شرط من شروط صحّة الصّلاة:
115 -لا تصحّ الصّلاة إلاّ إذا كانت مستوفيةً شروطها . فإذا تخلّف شرط من شروط صحّتها: كالطّهارة ، وستر العورة بطلت ، وكذلك لو طرأ ما ينافيها كما لو نزلت على ثوبه نجاسة وهو يصلّي ، أو تذكّر وهو في الصّلاة أنّه على غير طهارة ... والتّفصيل كما يلي:
أوّلًا: تخلّف شرط طهارة الحدث:
116 -إذا أحدث المصلّي أثناء الصّلاة ، أو كان محدثًا قبل الصّلاة وتذكّر ذلك في الصّلاة فإنّ صلاته لا تصحّ ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « لا تقبل صلاة بغير طهور » . وتفصيل ذلك في ( حدث ف / 23 ، 17 /124 ، ورعاف ف / 5 ، 22 /265 ) .
ثانيًا: تخلّف شرط الطّهارة من النّجاسة:
117 -طهارة بدن المصلّي وثوبه ومكانه شرط لصحّة الصّلاة .
وسبق تفصيل ذلك في فقرة ( 10 ) .
صلاة فاقد الطّهورين:
118 -الطّهوران هما: الماء والصّعيد ، واختلف الفقهاء في حكم فاقدهما .
فذهب الجمهور - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وبعض المالكيّة - إلى وجوب أداء الفرض عليه فقط .
وذهب المالكيّة إلى سقوط الصّلاة على فاقد الطّهورين .
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح: ( فاقد الطّهورين ) .
صلاة العاجز عن ثوب طاهر ومكان طاهر:
119 -اختلف الفقهاء في صلاة العاجز عن ثوب طاهر .
فذهب الحنفيّة إلى أنّه يتخيّر بين أن يصلّي بالثّوب النّجس أو عاريًّا من غير إعادة ، والصّلاة بالثّوب النّجس حينئذ أفضل ، لأنّ كلّ واحد منهما مانع من جواز الصّلاة حالة الاختيار . فيستويان في حكم الصّلاة . وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف .
وعند محمّد لا تجزئه الصّلاة إلاّ في الثّوب النّجس ، لأنّ الصّلاة فيه أقرب إلى الجواز من الصّلاة عريانًا ، فإنّ القليل من النّجاسة لا يمنع الجواز ،وكذلك الكثير في قول بعض العلماء. قال عطاء - رحمه الله -: من صلّى وفي ثوبه سبعون قطرةً من دم جازت صلاته . ولم يقل أحد بجواز الصّلاة عريانًا في حال الاختيار . قال في الأسرار: وقول محمّد - رحمه الله - أفضل .
وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ العاجز عن ثوب طاهر يصلّي في ثوبه النّجس ، وعند الحنابلة يعيد الصّلاة إذا وجد غيره أو ما يطهّر به أبدًا . وعند المالكيّة يعيد في الوقت فقط .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يجب عليه أن يصلّي عريانًا ولا إعادة عليه .
وكذلك اختلف الفقهاء في العاجز عن مكان طاهر ، كأن يحبس في مكان نجس .
فذهب جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى أنّه يجب عليه أن يصلّي مع وجود النّجاسة ولا يترك الصّلاة ، لما روى أبو هريرة - رضي الله تعالى عنه - أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم » .
قال الشّافعيّة والحنابلة: ويجب أن يتجافى عن النّجاسة بيديه وركبتيه وغيرهما القدر الممكن ، ويجب أن ينحني للسّجود إلى القدر الّذي لو زاد عليه لاقى النّجاسة .
زاد الحنابلة: أنّه يجلس على قدميه . ومذهب المالكيّة: أنّه يعيد في الوقت .
وقال الشّافعيّة: بوجوب الإعادة عليه أبدًا . وعند الحنابلة: لا إعادة عليه .
وقال الحنفيّة: إن وجد مكانًا يابسًا سجد عليه وإلاّ فيومئ قائمًا .
ثالثًا: تخلّف شرط ستر العورة:
120 -ستر العورة شرط من شروط صحّة الصّلاة كما تقدّم ، فلا تصحّ الصّلاة إلاّ بسترها ، وقد اتّفق الفقهاء على بطلان صلاة من كشف عورته فيها قصدًا ، واختلفوا فيما لو انكشفت بلا قصد متى تبطل صلاته ؟
فذهب الحنفيّة إلى أنّ الصّلاة تبطل لو انكشف ربع عضو قدر أداء ركن بلا صنعه .
ويدخل في أداء الرّكن سنّته أيضًا . وهذا قول أبي يوسف . واعتبر محمّد أداء الرّكن حقيقةً.
قال ابن عابدين: والأوّل المختار للاحتياط . وعليه لو انكشف ربع عضو - أقلّ من أداء ركن - فلا يفسد باتّفاق الحنفيّة . قال ابن عابدين: لأنّ الانكشاف الكثير في الزّمان القليل عفو كالانكشاف القليل في الزّمن الكثير . وأمّا إذا أدّى مع الانكشاف ركنًا فإنّها تفسد باتّفاق الحنفيّة ، وهذا كلّه في الانكشاف الحادث في أثناء الصّلاة . أمّا المقارن لابتدائها فإنّه يمنع انعقادها مطلقًا اتّفاقًا بعد أن يكون المكشوف ربع العضو .
ولم يقيّد المالكيّة والشّافعيّة البطلان بقيود ، وعندهم أنّ مطلق الانكشاف يبطل الصّلاة .
قال النّوويّ: فإن انكشف شيء من عورة المصلّي لم تصحّ صلاته سواء أكثر المنكشف أم قلّ ، ولو كان أدنى جزء ، وهذا إذا لم يسترها في الحال .