فهرس الكتاب

الصفحة 1396 من 2053

د - ويرى جمهور الفقهاء أنّ المباشرة والمعانقة ودواعي الوطء - كاللّمس وتكرار النّظر- حكمها حكم القبلة فيما تقدّم .

وخصّ الحنفيّة المباشرة الفاحشة ، بالكراهة التّحريميّة ، وهي - عندهم - أن يتعانقا ، وهما متجرّدان ، ويمسّ فرجه فرجها . ونصّوا على أنّ الصّحيح أنّها تكره ، وإن أمن على نفسه الإنزال والجماع .

ونقل الطّحاويّ وابن عابدين عدم الخلاف في كراهتها ، وكذلك القبلة الفاحشة ، وهي: أن يمصّ شفتها ، فيكره على الإطلاق .

هـ - الحجامة ، وهي أيضًا ممّا يكره للصّائم - في الجملة - وهي استخراج الدّم المحقن من الجسم ، مصًّا أو شرطًا .

ومذهب الجمهور أنّها لا تفطّر الحاجم ولا المحجوم ، ولكنّهم كرهوها بوجه عامّ .

وقال الحنفيّة: لا بأس بها ، إن أمن الصّائم على نفسه الضّعف ، أمّا إذا خاف الضّعف ، فإنّها تكره ، وشرط شيخ الإسلام الكراهة ، إذا كانت تورث ضعفًا يحتاج معه إلى الفطر . وقال المالكيّة: إنّ المريض والصّحيح ، إذا علمت سلامتهما بالحجامة أو ظنّت ، جازت الحجامة لهما ، وإن علم أو ظنّ عدم السّلامة لهما حرّمت لهما ، وفي حالة الشّكّ تكره للمريض ، وتجوز للصّحيح .

قالوا: إنّ محلّ المنع إذا لم يخش بتأخيرها عليل هلاكًا أو شديد أذىً ، وإلاّ وجب فعلها وإن أدّت للفطر ، ولا كفّارة عليه .

وقال الشّافعيّة: يستحبّ الاحتراز من الحجامة ، من الحاجم والمحجوم ، لأنّها تضعفه .

قال الشّافعيّ في الأمّ: لو ترك رجل الحجامة صائمًا للتّوقّي ، كان أحبّ إليّ ، ولو احتجم لم أره يفطره .

ونقل النّوويّ عن الخطّابيّ ، أنّ المحجوم قد يضعف فتلحقه مشقّة ، فيعجز عن الصّوم فيفطر بسببها ، والحاجم قد يصل إلى جوفه شيء من الدّم .

ودليل عدم الإفطار بالحجامة ، حديث: ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: » أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم ، واحتجم وهو صائم « .

ودليل كراهة الحجامة حديث ثابت البنانيّ أنّه قال لأنس بن مالك: » أكنتم تكرهون الحجامة للصّائم على عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم ؟ قال: لا ، إلاّ من أجل الضّعف « .

وقالوا أيضًا: إنّه دم خارج من البدن ، فأشبه الفصد .

ومذهب الحنابلة أنّ الحجامة يفطر بها الحاجم والمحجوم ، لحديث رافع بن خديج رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: » أفطر الحاجم والمحجوم « .

قال المرداويّ: ولا نعلم أحدًا من الأصحاب ، فرّق - في الفطر وعدمه - بين الحاجم والمحجوم .

قال الشّوكانيّ: يجمع بين الأحاديث ، بأنّ الحجامة مكروهة في حقّ من كان يضعف بها ، وتزداد الكراهة إذا كان الضّعف يبلغ إلى حدّ يكون سببًا للإفطار ، ولا تكره في حقّ من كان لا يضعف بها ، وعلى كلّ حال تجنّب الحجامة للصّائم أولى .

أمّا الفصد ، فقد نصّ الحنفيّة على كراهته ، كالحجامة ، وكراهة كلّ عمل شاقّ ، وكلّ ما يظنّ أنّه يضعف عن الصّوم ، وكذلك صرّح المالكيّة والشّافعيّة بأنّ الفصادة كالحجامة .

غير أنّ الحنابلة الّذين قالوا ، بالفطر في الحجامة ، قالوا: لا فطر بفصد وشرط ، ولا بإخراج دمه برعاف ، لأنّه لا نصّ فيه ، والقياس لا يقتضيه .

وفي قول لهم - اختاره الشّيخ تقيّ الدّين - إفطار المفصود دون الفاصد ، كما اختار إفطار الصّائم ، بإخراج دمه ، برعاف وغيره .

و - وتكره المبالغة في المضمضة والاستنشاق في الصّوم .

ففي المضمضة: بإيصال الماء إلى رأس الحلق ، وفي الاستنشاق: بإيصاله إلى فوق المارن .

وذلك لحديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: » بالغ في الاستنشاق إلاّ أن تكون صائمًا « ، وذلك خشية فساد صومه .

ومن المكروهات الّتي عدّدها المالكيّة: فضول القول والعمل ، وإدخال كلّ رطب له طعم - في فمه - وإن مجّه ، والإكثار من النّوم في النّهار .

ما لا يكره في الصّوم:

84 -لا يكره للصّائم - في الجملة - ما يلي ، مع الخلاف في بعضها:

أ - الاكتحال غير مكروه عند الحنفيّة والشّافعيّة ، بل أجازوه ، ونصّوا على أنّه لا يفطر به الصّائم ولو وجد طعمه في حلقه ، قال النّوويّ: لأنّ العين ليست بجوف ، ولا منفذ منها إلى الحلق .

واحتجّوا بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: » اكتحل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو صائم « ، وحديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: » جاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: اشتكت عيني ، أفأكتحل وأنا صائم ؟ قال: نعم « .

وتردّد المالكيّة في الاكتحال ، فقالوا: إن كان لا يتحلّل منه شيء لم يفطر ، وإن تحلّل منه شيء أفطر . وقال أبو مصعب: لا يفطر . ومنعه ابن القاسم مطلقًا .

وقال أبو الحسن: إن تحقّق أنّه يصل إلى حلقه ، لم يكن له أن يفعله ، وإن شكّ كره ، ولْيَتَمَادَ - أي يستمرّ في صومه - وعليه القضاء ، فإن علم أنّه لا يصل ، فلا شيء عليه . وقال مالك في المدوّنة: إذا دخل حلقه ، وعلم أنّه قد وصل الكحل إلى حلقه ، فعليه القضاء ولا كفّارة عليه . وإن تحقّق عدم وصوله للحلق لا شيء عليه ، كاكتحاله ليلًا وهبوطه نهارًا للحلق ، لا شيء عليه في شيء من ذلك .

وهذا أيضًا مذهب الحنابلة ، فقد قالوا: إذا اكتحل بما يصل إلى حلقه ويتحقّق الوصول إليه فسد صومه ، وهذا الصّحيح من المذهب .

واستدلّوا بأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: » أمر بالإثمد المروّح عند النّوم ، وقال: ليتّقه الصّائم « ولأنّ العين منفذ ، لكنّه غير معتاد ، وكالواصل من الأنف .

واختار الشّيخ تقيّ الدّين أنّه لا يفطر بذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت