وأدنى الكمال عند الشّافعيّة والحنابلة ثلاث ركعات ، فلو اقتصر على ركعة كان خلاف الأولى. ونصّ الحنابلة: على أنّه لا يكره الإيتار بركعة واحدة ، ولو بلا عذر .
وأكمل من الثّلاث خمس ، ثمّ سبع ، ثمّ تسع ثمّ إحدى عشرة ، وهي أكمله .
أمّا الحنفيّة: فلم يذكروا في عدده إلاّ ثلاث ركعات ، بتشهّدين وسلام ، كما يصلّى المغرب . واحتجّوا بقول عائشة - رضي الله عنها - « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث لا يسلّم إلاّ في آخرهنّ » وفي الهداية: حكى الحسن إجماع المسلمين على الثّلاث . قال ابن الهمام: وهو مرويّ عن فقهاء المدينة السّبعة .
أمّا عند المالكيّة: فإنّ الوتر ركعة واحدة ، لكن لا تكون إلاّ بعد شفع يسبقها .
واختلف: هل تقديم الشّفع شرط صحّة أو كمال ؟ قالوا: وقد تسمّى الرّكعات الثّلاث وترًا إلاّ أنّ ذلك مجاز ، والوتر في الحقيقة هو الرّكعة الواحدة . ويكره أن يصلّي واحدةً فقط ، بل بعد نافلة ، وأقلّ تلك النّافلة ركعتان ، ولا حدّ لأكثرها . قالوا: والأصل في ذلك حديث: « صلاة اللّيل مثنى مثنى ، فإذا خشي أحدكم الصّبح صلّى ركعةً واحدةً توتر له ما قد صلّى » .
ويستثنى من كراهة الإيتار بركعة واحدة من كان له عذر ، كالمسافر والمريض ، فقد قيل: لا يكره له ذلك ، وقيل: يكره له أيضًا . فإن أوتر دون عذر بواحدة دون شفع قبلها ، قال أشهب: يعيد وتره بأثر شفع ما لم يصلّ الصّبح . وقال سحنون: إن كان بحضرة ذلك أي بالقرب ، شفعها بركعة ثمّ أوتر ، وإن تباعد أجزأه .
وقالوا: لا يشترط في الشّفع الّذي قبل ركعة الوتر نيّة تخصّه ، بل يكتفي بأيّ ركعتين كانتا .
صفة صلاة الوتر:
أوّلًا: الفصل والوصل:
8 -المصلّي إمّا أن يوتر بركعة ، أو بثلاث ، أو بأكثر:
أ - فإن أوتر المصلّي بركعة - عند القائلين بجوازه - فالأمر واضح .
ب - وإن أوتر بثلاث ، فله ثلاث صور:
الصّورة الأولى: أن يفصل الشّفع بالسّلام ، ثمّ يصلّي الرّكعة الثّالثة بتكبيرة إحرام مستقلّة . وهذه الصّورة عند غير الحنفيّة ، وهي المعيّنة عند المالكيّة ، فيكره ما عداها ، إلاّ عند الاقتداء بمن يصِلُ .
وأجازها الشّافعيّة والحنابلة ، وقالوا: إنّ الفصل أفضل من الوصل ، لزيادته عليه السّلام وغيره . وفي قول عند الشّافعيّة: إن كان إمامًا فالوصل أفضل ، لأنّه يقتدي به المخالف ، وإن كان منفردًا فالفصل أفضل . قالوا: ودليل هذه الصّورة ما ورد عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنّه قال: « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يفصل بين الشّفع والوتر بتسليمة» وورد: أنّ ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يسلّم من الرّكعتين حتّى يأمر ببعض حاجته . وصرّح الحنابلة بأنّه يسنّ فعل الرّكعة بعد الشّفع بعد تأخير لها عنه . نصّ على ذلك أحمد . ويستحبّ أن يتكلّم بين الشّفع والوتر ليفصل .
وذكر الشّافعيّة أنّه ينوي في الرّكعتين إن أراد الفصل:"ركعتين من الوتر"أو"سنّة الوتر"أو"مقدّمة الوتر"قالوا: ولا يصحّ بنيّة"الشّفع"أو"سنّة العشاء"أو"صلاة اللّيل". الصّورة الثّانية: أن يصلّي الثّلاث متّصلةً سردًا ، أي من غير أن يفصل بينهنّ بسلام ولا جلوس ، وهي عند الشّافعيّة والحنابلة أولى من الصّورة التّالية . واستدلّوا لهذه الصّورة بأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم: كان يوتر بخمس ، لا يجلس إلاّ في آخرها » .
وهذه الصّورة مكروهة عند المالكيّة ، لكن إن صلّى خلف من فعل ذلك فيواصل معه . الصّورة الثّالثة: الوصل بين الرّكعات الثّلاث ، بأن يجلس بعد الثّانية فيتشهّد ولا يسلّم ، بل يقوم للثّالثة ويسلّم بعدها ، فتكون في الهيئة كصلاة المغرب ، إلاّ أنّه يقرأ في الثّالثة سورةً بعد الفاتحة خلافًا للمغرب .
وهذه الصّورة هي المتعيّنة عند الحنفيّة . قالوا: فلو نسي فقام للثّالثة دون تشهّد فإنّه لا يعود ، وكذا لو كان عامدًا عند أبي حنيفة ، وهذا استحسان . والقياس أن يعود ، واحتجّوا لتعيّنها بقول أبي العالية:"علَّمنا أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم: أنّ الوتر مثل صلاة المغرب ، فهذا وتر اللّيل ، وهذا وتر النّهار".
وقال الشّافعيّة: هي جائزة مع الكراهة ؛ لأنّ تشبيه الوتر بالمغرب مكروه .
وقال الحنابلة: لا كراهة إلاّ أنّ القاضي أبا يعلى منع هذه الصّورة . وخيّر ابن تيميّة بين الفصل والوصل .
ج - أن يصلّي أكثر من ثلاث:
9 -وهو جائز - كما تقدّم - عند الشّافعيّة والحنابلة .
قال الشّافعيّة: فالفصل بسلام بعد كلّ ركعتين أفضل ، لحديث: « كان صلى الله عليه وسلم يصلّي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر بإحدى عشرة ركعةً ويسلّم من كلّ ركعتين ، ويوتر بواحدة » ويجوز أن يصلّي أربعًا بتسليمة ، وستًّا بتسليمة ، ثمّ يصلّي ركعةً ، وله الوصل بتشهّد ، أو تشهّدين في الثّلاث الأخيرة .
وقال الحنابلة: إن أوتر بخمس أو سبع فالأفضل أن يسردهنّ سردًا فلا يجلس إلاّ في آخرهنّ، لحديث عائشة - رضي الله عنها -: « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يصلّي من اللّيل ثلاث عشرة ركعةً يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلاّ في آخرها » . ولحديث أمّ سلمة - رضي الله عنها - قالت: « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوتر بخمس ، وسبع ، لا يفصل بينهنّ بتسليم » .
وإن أوتر بتسع فالأفضل أن يسرد ثمانيًا ، ثمّ يجلس للتّشهّد ولا يسلّم ، ثمّ يصلّي التّاسعة ويتشهّد ويسلّم . ويجوز في الخمس والسّبع والتّسع أن يسلّم من كلّ ركعتين .