أمّا الحنفيّة فقالوا: دخول الحجر في الطّواف واجب لأنّ كونه جزءًا من البيت ثبت بخبر الواحد ، وخبر الواحد يثبت به الوجوب عندهم لا الفرض .
وعلى ذلك فمن ترك الطّواف خلف الحجر لم يصحّ طوافه عند الجمهور ، ولم يعتدّ به ، لأنّه لم يطف بجميع البيت .
أمّا عند الحنفيّة فيجب عليه إعادة الطّواف ما دام بمكّة ، فإن رجع إلى بلده بغير إعادة فعليه هدي يرسله إلى مكّة ، والأفضل عند الحنفيّة إعادة كلّ الطّواف ليؤدّيه على الوجه الحسن ، وللخروج من الخلاف .
أمّا الواجب في الإعادة: فيجزيه أن يأخذ عن يمينه خارج الحجر مبتدئًا من أوّل أجزاء الفرجة أو قبله بقليل احتياطًا ، ويطوف حتّى ينتهي إلى آخره ، ثمّ يدخل الحجر من الفرجة الّتي وصل إليها ويخرج من الجانب الآخر ، أو لا يدخل الحجر ، بل يرجع ويبتدئ من أوّل الحجر .
سابعًا: ابتداء الطّواف من الحجر الأسود:
20 -ذهب الشّافعيّة والحنابلة وهو قول عند المالكيّة إلى أنّ ابتداء الطّواف من الحجر الأسود شرط لصحّة الطّواف ، وهو رواية في مذهب الحنفيّة ، فلا يعتدّ بالشّوط الّذي بدأه بعد الحجر الأسود .
واستدلّوا بمواظبة النّبيّ صلى الله عليه وسلم وجعلوها دليل الفرضيّة ، لأنّها بيان لإجمال القرآن .
ولا بدّ عندهم من محاذاة الحجر الأسود بجميع البدن ، لأنّ ما وجب فيه محاذاة البيت وجبت محاذاته بجميع البدن ، كالاستقبال في الصّلاة .
وذهب الحنفيّة والمالكيّة على الرّاجح في المذهبين إلى أنّ ابتداء الطّواف من الحجر الأسود واجب ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم واظب على ذلك ، والمواظبة دليل الوجوب ، لا سيّما وقد قال صلى الله عليه وسلم: » خذوا عنّي مناسككم « فيلزم الدّم بترك البداية منه في طواف الرّكن .
قال المحقّق الشّيخ عليّ القارئ: ولو قيل: إنّه واجب لا يبعد ، لأنّ المواظبة من غير ترك مرّة دليله ، فيأثم به ويجزيه ، ولو كان في الآية إجمال لكان شرطًا كما قال محمّد ، لكنّه منتف في حقّ الابتداء ، فيكون مطلق التّطوّف فرضًا ، وافتتاحه - أي من الحجر الأسود - واجبًا للمواظبة . وهو الأشبه والأعدل ، فينبغي أن يكون هو المعوّل .
ثامنًا: التّيامن:
21 -التّيامن: سير الطّائف عن يمين الكعبة ، وجعل يساره لجانب الكعبة ، وهذا شرط عند جمهور الفقهاء وقرّروا أنّ الطّواف على عكس ذلك باطل .
واستدلّوا: » بأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم جعل البيت في الطّواف على يساره « ، ولأنّها عبادة متعلّقة بالبيت فيجب فيها التّرتيب كالصّلاة .
وقال الحنفيّة: التّيامن واجب في الطّواف ، والطّواف على عكسه صحيح مع الكراهة التّحريميّة ، وتجب إعادته ما دام بمكّة ، وإن رجع إلى أهله من غير إعادة يجب عليه الدّم . واستدلّوا بأنّه هيئة متعلّقة بالطّواف ، فلا تمنع صحّته ، وجعلوا الآية: { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق } دليلًا على إجزاء الطّواف وصحّته على أيّ هيئة ، لأنّ الأمر مطلق ، فيتأدّى الرّكن بدون تلك الهيئة ، وحملوا فعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم على الوجوب .
تاسعًا: الطّهارة من الحدث والخبث:
22 -ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى: أنّ الطّهارة من الأحداث ومن الأنجاس شرط لصحّة الطّواف ، فإذا طاف فاقدًا أحدها فطوافه باطل لا يعتدّ به .
وقال الحنفيّة: الطّهارة من الحدث ومن الخبث واجب للطّواف ، وهو رواية عن أحمد .
وإن كان أكثر الحنفيّة على أنّ الطّهارة من النّجاسة الحقيقيّة سنّة مؤكّدة .
استدلّ الجمهور بحديث ابن عبّاس عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: » الطّواف بالبيت صلاة فأقلّوا من الكلام « .
وإذا كان صلاةً والصّلاة لا تجوز بدون الطّهارة من الأحداث ، فكذلك الطّواف لا بدّ فيه من الطّهارة .
واستدلّ الحنفيّة بقوله تعالى: { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق } .
ووجه الاستدلال بها أنّ الأمر بالطّواف مطلق لم يقيّده الشّارع بشرط الطّهارة ، وهذا نصّ قطعيّ ، والحديث خبر آحاد ويفيد غلبة الظّنّ فلا يقيّد نصّ القرآن ، لأنّه دون رتبته ، فحملنا الحديث على الوجوب وعملنا به .
وعلى ذلك: فمن طاف محدثًا فطوافه باطل عند الجمهور ، وعليه العود لأدائه إن كان طوافًا واجبًا ، ولا تحلّ له النّساء إن كان طواف إفاضة حتّى يؤدّيه .
أمّا عند الحنفيّة فهو صحيح لكن تجب إعادته ما دام بمكّة ، وإلاّ وجب عليه الفداء .
ومن أحدث في أثناء الطّواف يذهب فيتوضّأ ويتمّم الأشواط ولا يعيدها عند الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو رواية عن مالك .
والمشهور عن مالك: أنّه يعيد الطّواف من أوّله ، ولا يبني على الأشواط السّابقة ، وذلك لأنّ الموالاة في أشواط الطّواف شرط في صحّة الطّواف .
وذهب الحنابلة إلى أنّه إن أحدث عمدًا فإنّه يبتدئ الطّواف ، لأنّ الطّهارة شرط له ، وإن سبقه الحدث ففيه روايتان:
إحداهما: يبتدئ أيضًا ، والرّواية الثّانية: يتوضّأ ويبني ، قال حنبل عن أحمد فيمن طاف ثلاثة أشواط أو أكثر ، يتوضّأ فإن شاء بنى ، وإن شاء استأنف ، قال أبو عبد اللّه: يبني إذا لم يحدث حدثًا إلاّ الوضوء ، فإن عمل عملًا غير ذلك استقبل الطّواف ، وذلك لأنّ الموالاة تسقط عند العذر في إحدى الرّوايتين ، وهذا معذور ، فجاز البناء ، وإن اشتغل بغير الوضوء فقد ترك الموالاة لغير عذر فلزمه الابتداء إذا كان الطّواف فرضًا ، فأمّا المسنون فلا تجب إعادته كالصّلاة المسنونة إذا بطلت .
عاشرًا: ستر العورة: