فهرس الكتاب

الصفحة 1518 من 2053

31 -يستحبّ الإكثار من العمرة ، ولا يكره تكرارها في السّنة الواحدة عند الجمهور - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ومطرّف وابن الماجشون من المالكيّة - وهو قول عليّ وابن عمر وابن عبّاس وأنس وعائشة رضي الله تعالى عنهم وعطاء وطاوس وعكرمة رحمهم الله ، وتدلّ لهم الأحاديث الواردة في فضل العمرة ، والحثّ عليها ، فإنّها مطلقة تتناول تكرار العمرة تحثّ عليه .

وفصّل ابن قدامة ما يستحبّ فيه الإكثار فقال: قال عليّ رضي الله عنه في كلّ شهر مرّةً ، وكان أنس إذا حمّم رأسه خرج فاعتمر ، وقال عكرمة: يعتمر إذا أمكن الموسى من شعره ، وقال عطاء: إن شاء اعتمر في كلّ شهر مرّتين ، وقال أحمد: إذا اعتمر فلا بدّ أن يحلق أو يقصّر وفي عشرة أيّام يمكن حلق الرّأس .

وقال الشّافعيّ: إن قدر أن يعتمر في الشّهر مرّتين أو ثلاثًا أحببت له ذلك .

والمشهور عند المالكيّة: يكره تكرار العمرة في السّنة مرّتين ، وهو قول الحسن وابن سيرين ، وتندب الزّيادة على المرّة لكن في عام آخر .

والمراد بالتّكرار في العام السّنة الهجريّة ، فلو اعتمر في ذي القعدة ثمّ في المحرّم لا يكره ; لأنّه اعتمر في السّنة الثّانية .

ومحلّ كراهة التّكرار في العام الواحد ما لم يتكرّر دخول مكّة من موضع عليه فيه إحرام ، كما لو خرج مع الحجيج ثمّ رجع إلى مكّة قبل أشهر الحجّ ، فإنّه يحرم بعمرة ; لأنّ الإحرام بالحجّ قبل أشهره مكروه .

وقد استدلّ المالكيّة بأنّه عليه الصلاة والسلام لم يكرّرها في عام واحد مع قدرته على ذلك . ومقابل المشهور عند المالكيّة قول مطرّف وابن الماجشون من جواز التّكرار ، بل قال ابن حبيب: لا بأس بها في كلّ شهر مرّةً .

وعلى المشهور عندهم من أنّه يكره تكرارها في السّنة الواحدة لو أحرم بثانية انعقد إحرامه إجماعًا ، قاله سند وغيره .

ويشمل استحباب العمرة واستحباب تكرارها أشهر الحجّ ; لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم اعتمر فيها ، وفي ذلك إبطال لزعم الجاهليّة أنّ العمرة في أشهر الحجّ من أفجر الفجور ، بل إنّ عمراته صلى الله عليه وسلم - هي أربع - كانت كلّها في أشهر الحجّ كما ثبت عن أنس رضي الله عنه: « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر ، كلّهنّ في ذي القعدة إلاّ الّتي مع حجّته: عمرةً من الحديبية أو زمن الحديبية في ذي القعدة ، وعمرةً من العام المقبل في ذي القعدة وعمرةً من جعرانة حيث قسّم غنائم حنين في ذي القعدة ، وعمرةً مع حجّته » .

ودرءًا لما قد يفهم من تعارض بين هذا وما سبق من أفضليّة العمرة في رمضان قال الكمال ابن الهمام: إنّ رمضان أفضل بتنصيصه صلى الله عليه وسلم على ذلك ، وتركه لذلك لاقترانه بأمر يخصّه كاشتغاله بعبادات أخرى في رمضان تبتّلًا ، وأن لا يشقّ على أمّته ، فإنّه لو اعتمر فيه لخرجوا معه ، ولقد كان بهم رحيمًا ، وقد أخبر في بعض العبادات أنّ تركه لها ; لئلاّ يشقّ عليهم مع محبّته لها كالقيام بهم في رمضان ، ومحبّته لأن يسقي بنفسه مع سقاة زمزم ثمّ تركه كي لا يغلبهم النّاس على سقايتهم ، ولم يعتمر عليه الصلاة والسلام في السّنة إلاّ مرّةً .

وما قاله الكمال يتّفق وما هو مقرّر عند الأصوليّين ، من أنّ دلالة القول مقدّمة على دلالة الفعل .

لكن استثنى الحنفيّة من ذلك الاعتمار في أشهر الحجّ للمكّيّ ، والمقيم بها ، ولأهل المواقيت ومن بينها وبين مكّة ، فيكره لهؤلاء الاعتمار في أشهر الحجّ عند الحنفيّة ; لأنّ الغالب عليهم أنّهم يحجّون ، فيصبحون متمتّعين ، ويلزمهم دم جزاءً إن فعلوه عند الحنفيّة .

أمّا عند الجمهور فلا حرج عليهم في ذلك ; لأنّهم يجيزون لهم التّمتّع ، ويسقطون عنهم دم التّمتّع أيضًا .

ر: ( تمتّع ف 11 12 ) .

الإخلال بأحكام العمرة:

أوّلًا: ترك ركن من أركان العمرة بمانع قاهر:

32 -يعتبر المنع من ركن من أركان العمرة بمانع قاهر إحصارًا يبيح التّحلّل من إحرام العمرة ، ويتفاوت اعتباره إحصارًا باختلاف المذاهب في أركان العمرة ، وفيما يعتبر سببًا للإحصار ، وما يترتّب على ذلك من أحكام .

انظر: ( إحصار ف 12 - 25 ) .

ثانيًا: ترك ركن من أركان العمرة من غير مانع قاهر:

33 -من ترك شيئًا من أركان العمرة كالطّواف أو السّعي - عند القائل بركنيّته - فإنّه يكون قد فعل حرامًا ، ويجب عليه الإتيان بما تركه ، ويظلّ محرمًا يجب عليه اجتناب محظورات الإحرام كلّها حتّى يرجع ويأتي بما تركه ، ولا تفوت عليه العمرة أبدًا ; لأنّه ليس لأركانها وقت معيّن .

ثالثًا: فساد العمرة:

34 -لا تفسد العمرة بترك ركن من أركانها ، ولا بترك واجب فيها ، إلاّ بالجماع قبل التّحلّل من إحرامها ، على التّفصيل التّالي:

ذهب الحنفيّة إلى أنّه لو جامع قبل أن يؤدّي ركن العمرة - وهو الطّواف أربعة أشواط عندهم - فإنّه تفسد عمرته ، أمّا لو وقع المفسد بعد ذلك فلا تفسد العمرة ; لأنّه بأداء الرّكن أمن الفساد .

وذهب المالكيّة إلى أنّ المفسد إن حصل قبل تمام سعيها ولو بشوط فسدت ، أمّا لو وقع بعد تمام السّعي قبل الحلق فلا تفسد ; لأنّه بالسّعي تتمّ أركانها ، والحلق من شروط الكمال عندهم .

ومذهب الشّافعيّة والحنابلة أنّه إذا حصل المفسد قبل التّحلّل من العمرة فسدت ، والتّحلّل يحصل بالحلق عند الفريقين ، وهو ركن عند الشّافعيّة واجب عند الحنابلة .

ويجب في إفساد العمرة ما يجب في إفساد الحجّ من الاستمرار فيها ، والقضاء ، والفداء . 35 - واختلفوا في فداء إفساد العمرة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت