ثانيًا - قال صاحب القنية من الحنفيّة: إنّ في وجوب الغسل بإدخال الأصبع في القبل أو الدّبر خلافًا ، والأولى أن يوجب إذا كان في القبل إذا قصد الاستمتاع لغلبة الشّهوة ؛ لأنّ الشّهوة فيهنّ غالبة ، فيقام السّبب مقام المسبّب ، وهو الإنزال ، دون الدّبر لعدمها ، ومثل هذا ما يصنع من خشب ونحوه على صورة الذّكر ، ووافقه على ذلك ابن عابدين .
وقال المالكيّة: لا ينقض وضوء المرأة بمسّها لفرجها ولو ألطفت ، أي أدخلت أصبعًا أو أكثر من أصابعها في فرجها .
الثّالث - الحيض والنّفاس:
18 -اتّفق الفقهاء على أنّ الحيض والنّفاس من موجبات الغسل ، ونقل ابن المنذر وابن جرير الطّبريّ وآخرون الإجماع عليه .
ودليل وجوب الغسل في الحيض قوله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ } أي إذا اغتسلن ، فمنع الزّوج من وطئها قبل غسلها ، فدلّ على وجوبه عليها ، ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: « إذا أقبلت الحيضة فدعي الصّلاة ، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدّم وصلّي » .
ودليل وجوبه في النّفاس الإجماع - حكاه ابن المنذر وابن جرير الطّبريّ والمرغيناني من الحنفيّة صاحب الهداية - ولأنّه حيض مجتمع ؛ ولأنّه يحرّم الصّوم والوطء ويسقط فرض الصّلاة ، فأوجب الغسل كالحيض .
19 -واختلف الفقهاء في الموجب للغسل ، هل هو وجود الحيض والنّفاس أو انقطاعه أو شيء آخر ؟
فذهب المالكيّة إلى أنّ الموجب للغسل وجود الحيض لا انقطاعه ، والانقطاع إنّما هو شرط في صحّة الغسل .
ومثل المالكيّة الحنابلة ، قال البهوتيّ: يجب بالخروج ، وإنّما وجب بالخروج إناطةً للحكم بسببه ، والانقطاع شرط لصحّته ، وكلام الخرقيّ يدلّ على أنّه يجب بالانقطاع وهو ظاهر الأحاديث .
وقال بعض الحنفيّة: الحيض موجب بشرط انقطاعه .
وقال ابن عابدين: سبب وجوب الغسل إرادة فعل ما لا يحلّ إلاّ به عند عدم ضيق الوقت ، أو عند وجوب ما لا يصحّ معه وذلك عند ضيق الوقت .
واختلفت عبارات الشّافعيّة ، فصحّح النّوويّ في المجموع أنّ موجبه الانقطاع ، وقال القليوبيّ: الخروج موجب والانقطاع شرط لصحّته ، وقال الشّربينيّ الخطيب: ويعتبر مع خروج كلّ منهما - الحيض والنّفاس - وانقطاعه القيام إلى الصّلاة أو نحوها كما في الرّافعيّ والتّحقيق ، وقال إمام الحرمين وغيره: وليس في هذا الخلاف فائدة فقهيّة ، وقال النّوويّ: فائدته أنّ الحائض إذا أجنبت وقلنا: لا يجب غسل الحيض إلاّ بانقطاع الدّم ، وقلنا بالقول الضّعيف إنّ الحائض لا تمنع قراءة القرآن ، فلها أن تغتسل عن الجنابة لاستباحة قراءة القرآن .
وذكر صاحب البحر فائدةً أخرى قال: لو استشهدت الحائض في قتال الكفّار قبل انقطاع حيضها ، فإن قلنا يجب بالانقطاع لم تغسل ، وإن قلنا بالخروج فهل تغسل ؟ فيه الوجهان في غسل الجنب الشّهيد .
وذكر هذه المسألة أيضًا البهوتيّ من الحنابلة في شرحه على الإقناع .
وذكر الشّربينيّ الخطيب فائدةً ثالثةً ، وهي فيما إذا قال لزوجته: إن وجب عليك غسل فأنت طالق .
الرّابع - الموت:
20 -ذهب الحنفيّة وبعض المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الموت من موجبات الغسل ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم حين توفّيت إحدى بناته: « اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك » .
وذهب بعض المالكيّة إلى سنّيّة غسل الميّت ، قال الدّسوقيّ: وجوب غسل الميّت هو قول عبد الوهّاب وابن محرز وابن عبد البرّ ، وشهره ابن راشد وابن فرحون ، وأمّا سنّيّته فحكاها ابن أبي زيد وابن يونس وابن الجلّاب وشهره ابن بزيزة .
والتّفصيل في مصطلح: ( تغسيل الميّت ف /2 ) .
الخامس - إسلام الكافر:
21 -ذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ إسلام الكافر موجب للغسل ، فإذا أسلم الكافر وجب عليه أن يغتسل ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه « أنّ ثمامة بن أثال رضي الله عنه أسلم فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل » وعن « قيس بن عاصم أنّه أسلم: فأمره النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر » ؛ ولأنّه لا يسلم غالبًا من جنابة ، فأقيمت المظنّة مقام الحقيقة كالنّوم والتقاء الختانين ، ولم يفرّقوا في ذلك بين الكافر الأصليّ والمرتدّ ، فيجب الغسل على المرتدّ أيضًا إذا أسلم . وصرّح المالكيّة بصحّة الغسل قبل النّطق بالشّهادة إذا أجمع بقلبه على الإسلام ؛ لأنّ إسلامه بقلبه إسلام حقيقيّ متى عزم على النّطق من غير إباء ، لأنّ النّطق ليس ركنًا من الإيمان ولا شرط صحّة على الصّحيح ، وقالوا: لو نوى بغسله الجنابة أو الطّهارة أو الإسلام كفاه ؛ لأنّ نيّته الطّهر من كلّ ما كان في حال كفره .
وقال الحنابلة: وسواء وجد منه في كفره ما يوجب الغسل من نحو جماع أو إنزال أو لا ، وسواء اغتسل قبل إسلامه أو لا ، فيكفيه غسل الإسلام سواء نوى الكلّ أو نوى غسل الإسلام إلاّ أن ينوي ألاّ يرتفع غيره ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يستفصل ، ولو اختلف الحال لوجب الاستفصال ، ووقت وجوب الغسل إذا أسلم أي بعد النّطق بالشّهادتين . 22 - وذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى استحباب الغسل للكافر إذا أسلم وهو غير جنب ، لما روي أنّه « لمّا أسلم قيس بن عاصم رضي الله عنه أمره رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يغتسل » ، ولا يجب ذلك ؛ لأنّه أسلم خلق كثير ولم يأمرهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالغسل .