وإذا أسلم الكافر وهو جنب وجب عليه الغسل ، قال النّوويّ: نصّ عليه الشّافعيّ واتّفق عليه جماهير الأصحاب .
وقال الكمال بن الهمام: الأصحّ وجوب الغسل عليه لبقاء صفة الجنابة السّابقة بعد الإسلام ، فلا يمكنه أداء المشروط بزوالها إلاّ به ، وقيل: لا يجب لأنّهم غير مخاطبين بالفروع ولم يوجد بعد الإسلام جنابة .
ونصّ الحنفيّة على أنّه لو حاضت الكافرة فطهرت ثمّ أسلمت فلا غسل عليها ، ولو أسلمت حائضًا ثمّ طهرت وجب عليها الغسل ، والفرق بينها وبين الجنب أنّ صفة الجنابة باقية بعد الإسلام فكأنّه أجنب بعده ، والانقطاع في الحيض هو السّبب ولم يتحقّق بعده . قال قاضي خان: والأحوط وجوب الغسل .
وعند الشّافعيّة وجهان فيما لو اغتسل حال كفره هل يجب إعادته ؟ أحدهما: لا تجب إعادته لأنّه غسل صحيح ، بدليل أنّه تعلّق به إباحة الوطء في حقّ الحائض إذا طهرت فلم تجب إعادته كغسل المسلمة ، والثّاني: وهو الأصحّ - تجب إعادته لأنّه عبادة محضة فلم تصحّ من الكافر في حقّ اللّه تعالى كالصّوم والصّلاة ، نصّ عليه الشّافعيّ وقطع به القاضي أبو الطّيّب وآخرون ، قال النّوويّ: ولا فرق في هذا بين الكافر المغتسل في الكفر والكافرة المغتسلة لحلّها لزوجها المسلم ، فالأصحّ في الجميع وجوب الإعادة .
فرائض الغسل:
الأولى - النّيّة:
23 -ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ النّيّة فرض في الغسل ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « إنّما الأعمال بالنّيّات » ويكفي فيها نيّة رفع الحدث الأكبر أو استباحة الصّلاة ونحوها .
وذهب الحنفيّة إلى أنّ النّيّة في الغسل سنّة وليست بفرض .
والتّفصيل في مصطلح: ( نيّة )
الثّانية - تعميم الشّعر والبشرة بالماء:
24 -اتّفق الفقهاء على أنّ تعميم الشّعر والبشرة بالماء من فروض الغسل لحديث عائشة رضي الله عنها « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ، ثمّ يتوضّأ كما يتوضّأ للصّلاة ، ثمّ يدخل أصابعه في الماء فيخلّل بها أصول شعره ، ثمّ يصبّ على رأسه ثلاث غرف بيديه ، ثمّ يفيض على جلده كلّه » وعن ميمونة رضي الله عنها قالت « توضّأ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وضوءه للصّلاة غير رجليه ، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى ، ثمّ أفاض عليه الماء ، ثمّ نحّى رجليه فغسلهما ، هذه غسله من الجنابة » ولما روى جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: « تذاكرنا غسل الجنابة عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: أمّا أنا فآخذ ملء كفّي ثلاثًا فأصبّ على رأسي ، ثمّ أفيضه بعد على سائر جسدي » .
ولقوله صلى الله عليه وسلم: « إنّ تحت كلّ شعرة جنابةً ، فاغسلوا الشّعر وأنقوا البشر » .
قال النّوويّ: إفاضة الماء على جميع البدن شعره وبشره واجب بلا خلاف ، ومن ثمّ يجب إيصال الماء إلى كلّ ظاهر الجسد ومنه ما تحت الشّعرة ، سواء كان الشّعر الّذي على البشرة خفيفًا أو كثيفًا يجب إيصال الماء إلى جميعه وجميع البشرة تحته بلا خلاف .
وقد نبّه الفقهاء إلى مواضع قد لا يصل إليها الماء كعمق السّرّة ، وتحت ذقنه . وتحت جناحيه ، وما بين أليتيه ، وما تحت ركبتيه ، وأسافل رجليه ، ويخلّل أصابع يديه ورجليه . ويخلّل شعر لحيته وشعر الحاجبين والهدب والشّارب والإبط والعانة .
قال الحنفيّة: يجب غسل كلّ ما يمكن بلا حرج ، كأذن وسرّة وشارب وحاجب وإن كثف ، ولحية وشعر رأس ولو متلبّدًا ، وفرج خارج ، وأمّا الفرج الدّاخل فلا يغسل لأنّه باطن ، ولا تدخل أصبعها في قبلها ، ولا يجب غسل ما فيه حرج كعين وثقب انضمّ بعد نزع القرط وصار بحال إن أمرّ عليه الماء يدخله ، وإن غفل لا ، فلا بدّ من إمراره ، ولا يتكلّف لغير الإمرار من إدخال عود ونحوه فإنّ الحرج مرفوع .
وهناك مسائل تتعلّق بتعميم البشرة والشّعر بالماء نذكر منها ما يلي:
أ - المضمضة والاستنشاق:
25 -ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى وجوب المضمضة والاستنشاق في الغسل ، قال الحنابلة: الفم والأنف من الوجه لدخولهما في حدّه فتجب المضمضة والاستنشاق في الطّهارة الكبرى والصّغرى فلا يسقط واحد منهما . لما روت عائشة رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « المضمضة والاستنشاق من الوضوء الّذي لا بدّ منه » .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « أمر بالمضمضة والاستنشاق » . ولأنّ الفم والأنف في حكم الظّاهر ، بدليل أنّ الصّائم لا يفطر بوصول شيء إليهما ، ويفطر بعود القيء بعد وصوله إليهما .
وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى عدم وجوب المضمضة والاستنشاق في الغسل ، لأنّ الفم والأنف ليسا من ظاهر الجسد فلا يجب غسلهما ، واعتبروا غسلهما من سنن الغسل .
ب - نقض الضّفائر:
26 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه لا يجب نقض الضّفائر في الغسل إذا كان الماء يصل إلى أصولها ، والأصل فيه حديث أمّ سلمة رضي الله عنها قالت: « قلت: يا رسول اللّه إنّي امرأة أشدّ ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة ؟ قال: لا ، إنّما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ، ثمّ تفيضين عليك الماء فتطهرين » فإذا لم يصل الماء إلى أصول الضّفائر فإنّه يجب نقضها في الجملة .
قال الحنفيّة: وإذا لم يبتلّ أصلها ، بأن كان متلبّدًا أو غزيرًا أو مضفورًا ضفرًا شديدًا لا ينفذ فيه الماء يجب نقضها .