وقال المالكيّة: لا يجب نقض الضّفائر ما لم يشتدّ بنفسه أو ضفّر بخيوط كثيرة - سواء اشتدّ الضّفر أم لا - والمراد بها ما زاد على الاثنين في الضّفيرة ، وكذا ما ضفر بخيط أو خيطين مع الاشتداد ، وصرّحوا بوجوب ضغث مضفور الشّعر - أي جمعه وضمّه وتحريكه- ليداخله الماء ، قال الدّسوقيّ: وإن كانت عروسًا تزيّن شعرها ، وفي البنانيّ وغيره: أنّ العروس الّتي تزيّن شعرها ليس عليها غسل رأسها لما في ذلك من إتلاف المال ، ويكفيها المسح عليه .
وقال الشّافعيّة: يجب نقض الضّفائر إن لم يصل الماء إلى باطنها إلاّ بالنّقض ، بخلاف ما تعقّد بنفسه فلا يجب نقضه وإن كثر ، فإن كان بفعل عفي عن قليله ، ولو بقي من أطراف شعره مثلًا شيء ولو واحدةً بلا غسل ، ثمّ أزالها بقصّ أو نتف مثلًا لم يكف ، فلا بدّ من غسل موضعها ، بخلاف ما لو أزاله بعد غسلها . لما روي عن عليّ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل به كذا وكذا من النّار » قال عليّ: فمن ثمّ عاديت شعر رأسي .
ونصّ المالكيّة والشّافعيّة على أنّ الرّجل كالمرأة في ذلك .
وقال الحنفيّة: لا يكفي للرّجل بلّ ضفيرته فينقضها وجوبًا لعدم الضّرورة وللاحتياط ولإمكان حلقه ، وفي رواية لا يجب نظرًا إلى العادة .
ووافق الحنابلة الجمهور في عدم وجوب نقض الشّعر المضفور في غسل الجنابة إذا روت أصوله ، وخالفوهم في غسل الحيض والنّفاس حيث قالوا بوجوب النّقض ، ودليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لها: « انقضي شعرك وامتشطي» ، ولا يكون المشط إلاّ في شعر غير مضفور ؛ ولأنّ الأصل وجوب نقض الشّعر لتحقّق وصول الماء إلى ما يجب غسله . فعفي عنه في غسل الجنابة ؛ لأنّه يكثر فشقّ ذلك فيه ، والحيض بخلافه ، فبقي على الأصل في الوجوب ، والنّفاس في معنى الحيض ، وقال ابن قدامة: قال بعض أصحابنا هذا مستحبّ غير واجب وهو قول أكثر الفقهاء ، وهو الصّحيح إن شاء اللّه لأنّ في بعض ألفاظ حديث أمّ سلمة أنّها قالت للنّبيّ صلى الله عليه وسلم « إنّي امرأة أشدّ ضفر رأسي فأنقضه للحيضة والجنابة ؟ فقال: لا ، إنّما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ، ثمّ تفيضين عليك الماء فتطهرين » وهي زيادة يجب قبولها ، وهذا صريح في نفي الوجوب .
الثّالثة - الموالاة:
27 -اختلف الفقهاء في الموالاة هل هي من فرائض الغسل أو من سننه ؟
فذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى سنّيّة الموالاة في غسل جميع أجزاء البدن لفعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم .
ونصّ الحنابلة على أنّه إذا فاتت الموالاة قبل إتمام الغسل ، بأن جفّ ما غسله من بدنه بزمن معتدل وأراد أن يتمّ غسله ، جدّد لإتمامه نيّةً وجوبًا ، لانقطاع النّيّة بفوات الموالاة ، فيقع غسل ما بقي بدون نيّة .
وذهب المالكيّة إلى أنّ الموالاة من فرائض الغسل .
الرّابعة - الدّلك:
28 -ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ دلك الأعضاء في الغسل سنّة وليس بفرض، « لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي ذرّ رضي الله عنه: فإذا وجدت الماء فأمسّه جلدك » ولم يأمره بزيادة ، ولقوله صلى الله عليه وسلم لأمّ سلمة « إنّما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ، ثمّ تفيضين عليك الماء فتطهرين » ، ولأنّه غسل فلا يجب إمرار اليد فيه ، كغسل الإناء من ولوغ الكلب .
وذهب المالكيّة والمزنيّ من الشّافعيّة إلى أنّ الدّلك فريضة من فرائض الغسل ، واحتجّوا بأنّ الغسل هو إمرار اليد ، ولا يقال لواقف في المطر اغتسل ، وقال المزنيّ: ولأنّ التّيمّم يشترط فيه إمرار اليد فكذا هنا .
وقال المالكيّة: هو واجب لنفسه لا لإيصال الماء للبشرة ، فيعيد تاركه أبدًا ، ولو تحقّق وصول الماء للبشرة لطول مكثه مثلًا في الماء ، قال الدّسوقيّ: هذا هو المشهور في المذهب ، وقال بعضهم: إنّه واجب لإيصال الماء للبشرة ، واختاره عليّ الأجهوريّ لقوّة مدركه ، ونصّوا على أنّه لا يشترط مقارنة الدّلك للماء ، بل يجزئ ولو بعد صبّ الماء وانفصاله ما لم يجفّ الجسد ، فلا يجزئ الدّلك في هذه الحالة لأنّه صار مسحًا لا غسلًا ، وصرّحوا بجواز الدّلك بالخرقة ، يمسك طرفها بيده اليمنى والطّرف الآخر باليسرى ويدلّك بوسطها ، فإنّه يكفي ذلك ولو مع القدرة على الدّلك باليد ، وكذا لو لفّ الخرقة على يده أو أدخل يده في كيس فدلّك به ، والمعتمد أنّه متى تعذّر الدّلك باليد سقط عنه ، ولا يجب عليه الدّلك بالخرقة ولا الاستنابة .
سنن الغسل:
أ - التّسمية:
29 -ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّ التّسمية سنّة من سنن الغسل ، وعدّها المالكيّة من المندوبات ، لعموم حديث: « كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم فهو أقطع» .
قال النّوويّ: وفيه وجه حكاه القاضي حسين والمتولّي وغيرهما أنّه لا تستحبّ التّسمية للجنب ، وهذا ضعيف لأنّ التّسمية ذكر ، ولا يكون قرآنًا إلاّ بالقصد .
وذهب الحنابلة إلى وجوب التّسمية لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « لا وضوء لمن لم يذكر اسم اللّه عليه » قياسًا لإحدى الطّهارتين على الأخرى .
قال ابن قدامة: ظاهر مذهب أحمد أنّ التّسمية مسنونة في طهارة الأحداث كلّها ، وعنه أنّها واجبة فيها كلّها: الغسل والوضوء والتّيمّم .
وقال الخلّال: الّذي استقرّت الرّوايات عنه أنّه لا بأس بترك التّسمية .
ولفظ التّسمية عند الحنفيّة باسم اللّه العظيم والحمد للّه على دين الإسلام ، وقيل: الأفضل بسم اللّه الرّحمن الرّحيم .