وقال النّوويّ: صفة التّسمية بسم اللّه ، فإذا زاد الرّحمن الرّحيم جاز، ولا يقصد بها القرآن. وقال الحنابلة: صفتها بسم اللّه ، ولا يقوم غيرها مقامها ، فلو قال: بسم الرّحمن ، أو القدّوس ، أو نحوه لم يجزئه ، لكن قال البهوتيّ: الظّاهر إجزاؤها بغير العربيّة ولو ممّن يحسنها - كما في التّذكية - إذ لا فرق .
ويستحبّ عند الشّافعيّة أن يبتدئ النّيّة مع التّسمية ، ومصاحبةً لها عند الحنفيّة والحنابلة . قال البهوتيّ: وقتها عند أوّل الواجبات وجوبًا ، وأوّل المسنونات استحبابًا .
ب - غسل الكفّين:
30 -اتّفق الفقهاء على أنّه يسنّ في الغسل غسل اليدين إلى الرّسغين ثلاثًا ابتداءً قبل إدخالهما في الإناء ، لحديث ميمونة رضي الله عنها قالت: « وضعت للنّبيّ صلى الله عليه وسلم ماءً للغسل ، فغسل يديه مرّتين أو ثلاثًا » .
قال الدّسوقيّ: هذا إذا كان الماء غير جار وكان يسيرًا وأمكن الإفراغ منه ، وإلاّ فلا تتوقّف سنّيّة غسلهما على الأوّليّة .
ج - إزالة الأذى:
31 -قال الشّافعيّة والحنابلة: أكمل الغسل إزالة القذر طاهرًا كان كالمنيّ ، أو نجسًا كودي استظهارًا .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه يسنّ بعد غسل اليدين البدء بإزالة الخبث عن جسده ، سواء كان بفرج أو غيره ، لحديث ميمونة رضي الله عنها في صفة غسل النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « ثمّ أفرغ على شماله فغسل مذاكيره » ، قال ابن عابدين: السّنّة نفس البداءة بغسل النّجاسة ، وأمّا نفس غسلها فلا بدّ منه ولو قليلةً .
وصرّح الحنفيّة بأنّه يسنّ غسل الفرج مع البداءة بغسل اليدين ، وذلك بأن يفيض الماء بيده اليمنى عليه فيغسله باليسرى ، ثمّ ينقّيه وإن لم يكن به خبث اتّباعًا للحديث .
وقال المالكيّة يندب البدء بإزالة الأذى أي النّجاسة في الغسل .
د - الوضوء:
32 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يسنّ في الغسل الوضوء كاملًا ، لحديث عائشة رضي الله عنها « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ، ثمّ توضّأ وضوءه للصّلاة » .
وعدّه المالكيّة من المندوبات .
واختلف الفقهاء في محلّ غسل الرّجلين ، هل يغسلهما في وضوئه أو في آخر غسله ؟
فذهب الحنفيّة ، والشّافعيّة في الأصحّ ، والحنابلة في الصّحيح من المذهب إلى أنّه لا يؤخّر غسل قدميه إلى آخر الغسل ، بل يكمل الوضوء بغسل الرّجلين .
قال ابن عابدين: ولو كان واقفًا في محلّ يجتمع فيه ماء الغسل ، وهو ظاهر حديث عائشة ، وعند الحنفيّة قول إنّه يؤخّر غسل قدميه مطلقًا ، وهو مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة ورواية عن أحمد .
قال ابن عابدين: وهو ظاهر إطلاق الأكثر ، وإطلاق حديث ميمونة ، قال النّوويّ عن قولي الشّافعيّة: وهذان القولان إنّما هما في الأفضل ، وإلاّ فكيف فعل حصل الوضوء ، وقد ثبت الأمران في الصّحيح من فعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم .
وعند الحنفيّة قول ثالث ، وهو إن كان في مكان يجتمع فيه الماء فيؤخّر غسل قدميه . وإلاّ غسلهما في الوضوء ، قال ابن عابدين: صحّحه في المجتبى ، وجزم به في الهداية والمبسوط والكافي .
وعند الحنابلة رواية عن الإمام أحمد بأنّ غسل رجليه مع الوضوء وتأخير غسلهما حتّى يغتسل سواء في الأفضليّة .
وذهب المالكيّة في الرّاجح إلى ندب تأخير غسل الرّجلين بعد فراغ الغسل ؛ لأنّه قد جاء التّصريح بتأخير غسلهما في الأحاديث كحديث ميمونة ، ووقع في بعض الأحاديث الإطلاق ، والمطلق يحمل على المقيّد .
هـ - البدء باليمين:
33 -اتّفق الفقهاء على استحباب البدء باليمين عند غسل الجسد ، وهو من مندوبات الغسل عند المالكيّة ، لحديث أنّه صلى الله عليه وسلم « كان يعجبه التّيمّن في طهوره » وفي حديث عائشة رضي الله عنها « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب ، فأخذ بكفّه ، ثمّ بدأ بشقّ رأسه الأيمن ثمّ الأيسر » .
و - البدء بأعلى البدن:
34 -ذهب الشّافعيّة إلى أنّه يسنّ عند غسل الجسد البدء بأعلاه .
ووافقهم المالكيّة في ذلك ، لكنّهم عدّوه من المندوبات .
ز - تثليث الغسل:
35 -ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ تثليث غسل الأعضاء في الغسل سنّة ، لحديث ميمونة رضي الله عنها: « ثمّ أفرغ على رأسه ثلاث حفنات » ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها: « ثمّ يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشّعر ، حتّى إذا رأى أن قد استبرأ ، حفن على رأسه ثلاث حفنات » ، وأمّا باقي أعضاء الجسد فقياسًا على الوضوء . قال الشّربينيّ الخطيب: إن كان الماء جاريًا كفى في التّثليث أن يمرّ عليه ثلاثًا جريات ، وإن كان راكدًا انغمس فيه ثلاثًا ، بأن يرفع رأسه منه وينقل قدميه ، أو ينتقل فيه من مقامه إلى آخر ثلاثًا ، ولا يحتاج إلى انفصال جملته ولا رأسه ، فإنّ حركته تحت الماء كجري الماء عليه .
وذهب المالكيّة إلى ندب تثليث غسل الرّأس فقط ، وأمّا بقيّة الأعضاء فاعتمد الدّردير كراهة غسلها أكثر من مرّة ، واعتمد البنانيّ تكرار غسل الأعضاء .
36 -وهناك سنن أخرى منها: أن يكون قدر الماء المغتسل به صاعًا لحديث سفينة رضي الله تعالى عنه: « أنّه صلى الله عليه وسلم كان يغسّله الصّاع من الماء من الجنابة ويوضّئه المدّ » .
وقدّره أبو حنيفة بالصّاع العراقيّ وهو ثمانية أرطال ، وقدّره صاحباه بالصّاع الحجازيّ وهو خمسة أرطال وثلث .