فهرس الكتاب

الصفحة 1624 من 2053

واستدلّوا بحديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: « سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكدت أساوره في الصلاة ، فتصبرت حتى سلم ، فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السّورة التي سمعتك تقرأ ؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: كذبت . فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت ، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إنّي سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسله ، اقرأ يا هشام ، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذلك أنزلت . ثم قال: اقرأ يا عمر ، فقرأت القراءة التي أقرأني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذلك أنزلت ، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرءوا ما تيسر منه » . قال النوويّ: فلو جازت الترجمة لأنكر عليه صلى الله عليه وسلم اعتراضه في شيء جائز . ولأن ترجمة القرآن ليست قرآنًا ; لأن القرآن هو هذا النظم المعجز ، وبالترجمة يزول الإعجاز فلم تجز ، وكما أن الشّعر يخرجه ترجمته عن كونه شعرًا فكذا القرآن إضافةً إلى أن الصلاة مبناها على التعبّد والاتّباع والنهي عن الاختراع وطريق القياس مفسدة فيها .

وذهب أبو حنيفة إلى جواز قراءة القرآن في الصلاة بالفارسية وبأيّ لسان آخر ، لقول الله تعالى: « وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ » ، ولم يكن فيها بهذا النظم ، وقوله تعالى: « إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى ، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى » ، فصحف إبراهيم كانت بالسّريانية ، وصحف موسى بالعبرانية فدل على كون ذلك قرآنًا ; لأن القرآن هو النظم والمعنى جميعًا حيث وقع الإعجاز بهما ، إلا أنه لم يجعل النظم ركنًا لازمًا في حقّ جواز الصلاة خاصةً رخصةً ; لأنها ليست بحالة الإعجاز ، وقد جاء التخفيف في حقّ التّلاوة لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: « إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف » فكذا هنا .

وذهب أبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة إلى أنه لا تجوز القراءة بغير العربية إذا كان يحسن العربية ; لأن القرآن اسم لمنظوم عربيّ لقول الله تعالى: « إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا » ، وقال تعالى: « إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا » ، والمراد نظمه ، ولأن المأمور به قراءة القرآن ، وهو اسم للمنزل باللفظ العربيّ المنظوم هذا النظم الخاصّ المكتوب في المصاحف المنقول إلينا نقلًا متواترًا ، والأعجميّ إنما يسمى قرآنًا مجازًا ولذا يصحّ نفي اسم القرآن عنه .

والفتوى عند الحنفية على قول الصاحبين ، ويروى رجوع أبي حنيفة إلى قولهما .

قال الشلبيّ نقلًا عن العينيّ: صح رجوع أبي حنيفة إلى قولهما .

وقد اتفق الثلاثة - أبو حنيفة وصاحباه - على جواز القراءة بالفارسية وصحة الصلاة عند العجز عن القراءة بالعربية .

«القراءة بالمتواتر والشاذّ من القراءات»

13 -ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى جواز القراءة بالمتواتر من القراءات في الصلاة . واختلفوا في القراءات غير المتواترة ، والتفصيل في مصطلح: « قراءات ف /7 » .

وصرح الحنفية بأن الأولى أن لا يقرأ بالرّوايات الغريبة والإمالات عند العوام صيانةً لدينهم ; لأن بعض السّفهاء يقولون ما لا يعلمون فيقعون في الإثم والشقاء ، ولا ينبغي للأئمة أن يحملوا العوام على ما فيه نقصان دينهم فلا يقرأ عندهم مثل قراءة أبي جعفر وابن عامر وعليّ بن حمزة ، إذ لعلهم يستخفّون ويضحكون وإن كان كلّ القراءات والرّوايات صحيحةً فصيحةً .

قال ابن عابدين: ومشايخنا اختاروا قراءة أبي عمرو حفص عن عاصم .

وذهب الحنابلة إلى صحة الصلاة بقراءة ما وافق المصحف العثماني وإن لم يكن من العشرة ، أو لم يكن في مصحف غيره من الصحابة .

زاد في الرّعاية: وصح سنده عن صحابيّ ، قال في شرح الفروع: ولا بد من اعتبار ذلك . وكره الإمام أحمد قراءة حمزة والكسائيّ لما فيهما من الكسر والإدغام وزيادة المدّ ، وأنكرها بعض السلف كسفيان بن عيينة ويزيد بن هارون .

واختار الإمام أحمد قراءة نافع من رواية إسماعيل بن جعفر ، ثم قراءة عاصم من رواية أبي عياش .

وعند الفقهاء تفصيل في القراءة بالشاذّ من القراءات في الصلاة .

فذهب الحنفية إلى أن الصلاة لا تفسد بقراءة الشاذّ ، ولكن لا تجزئه هذه القراءة عن القراءة المفروضة ، ومن ثم تفسد صلاته إذا لم يقرأ معه بالتواتر ، فالفساد لتركه القراءة بالمتواتر لا للقراءة بالشاذّ .

ونص المالكية على حرمة القراءة بالشاذّ من القراءات ، لكن لا تبطل الصلاة بالشاذّ إلا إذا خالف المصحف .

وذهب الشافعية إلى أنه لا تجوز القراءة في الصلاة بالشاذّ ; لأنها ليست قرآنًا ، فإن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ، وتبطل به الصلاة إن غير المعنى في الفاتحة .

ومذهب الحنابلة حرمة قراءة ما خرج عن مصحف عثمان ولو وافق قراءة أحد من العشرة في أصحّ الرّوايتين ولا تصحّ الصلاة به .

وعنه رواية: يكره أن يقرأ بما يخرج عن مصحف عثمان ، وعلى هذه الرّواية تصحّ صلاته إذا صح سنده ، لأن الصحابة كانوا يصلّون بقراءاتهم في عصره صلى الله عليه وسلم وبعده ، وكانت صلاتهم صحيحةً بغير شكّ .

«القراءة من المصحف في الصلاة»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت