18 -ذهب الحنفية والحنابلة إلى جواز قراءة القرآن للميّت وإهداء ثوابها له ، قال ابن عابدين نقلًا عن البدائع: ولا فرق بين أن يكون المجعول له ميّتًا أو حيًّا ، والظاهر أنه لا فرق بين أن ينوي به عند الفعل للغير أو يفعله لنفسه ثم بعد ذلك يجعل ثوابه لغيره .
وقال الإمام أحمد: الميّت يصل إليه كلّ شيء من الخير ، للنّصوص الواردة فيه ; ولأن الناس يجتمعون في كلّ مصر ويقرءون يهدون لموتاهم من غير نكير فكان إجماعًا ، قاله البهوتيّ من الحنابلة .
وذهب المتقدّمون من المالكية إلى كراهة قراءة القرآن للميّت وعدم وصول ثوابها إليه ، لكن المتأخّرون على أنه لا بأس بقراءة القرآن والذّكر حمل الثواب للميّت ويحصل له الأجر .
قال الدّسوقيّ: في آخر نوازل ابن رشد في السّؤال عن قوله تعالى: « وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى » ، قال: وإن قرأ الرجل وأهدى ثواب قراءته للميّت جاز ذلك وحصل للميّت أجره .
وقال ابن هلال: الذي أفتى به ابن رشد وذهب إليه غير واحد من أئمتنا الأندلسيّين أن الميّت ينتفع بقراءة القرآن الكريم ويصل إليه نفعه ويحصل له أجره إذا وهب القارئ ثوابه له ، وبه جرى عمل المسلمين شرقًا وغربًا ، ووقفوا على ذلك أوقافًا ، واستمر عليه الأمر منذ أزمنة سالفة .
والمشهور من مذهب الشافعيّ أنه لا يصل ثواب القراءة إلى الميّت .
وذهب بعض الشافعية إلى وصول ثواب القراءة للميّت .
قال سليمان الجمل: ثواب القراءة - للقارئ ، ويحصل مثله أيضًا للميّت لكن إن كان بحضرته ، أو بنيته ، أو يجعل ثوابها له بعد فراغها على المعتمد في ذلك .
وصرحوا بأنه لو سقط ثواب القارئ لمسقط كأن غلب الباعث الدّنيويّ كقراءته بأجرة فإنه لا يسقط مثله بالنّسبة للميّت .
ونصّوا على أنه لو استؤجر للقراءة للميّت ولم ينوه ولا دعا له بعدها ولا قرأ له عند قبره لم يبرأ من واجب الإجارة .
«قراءة القرآن للاستشفاء»
19 -صرح الفقهاء بجواز الاستشفاء بقراءة القرآن على المريض ، قال ابن عابدين: وعلى الجواز عمل الناس اليوم وبه وردت الآثار ، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوّذات ، فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه ; لأنها كانت أعظم بركةً من يدي » . قال النوويّ: يستحبّ أن يقرأ عند المريض بالفاتحة لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: « وما أدراك أنها رقية » .
ويستحبّ أن يقرأ عنده: « قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ » ، و « قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ » ، و « قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ » مع النفث في اليدين ، فقد ثبت ذلك من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم .
«الاجتماع لقراءة القرآن»
20 -صرح الشافعية والحنابلة بأن الاجتماع لقراءة القرآن مستحبّ ، لما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة ، وحفتهم الملائكة ، وذكرهم الله فيمن عنده » .
وروى ابن أبي داود أن أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه كان يدرس القرآن مع نفر يقرءون جميعًا .
قال الرحيبانيّ من الحنابلة: وكره أصحابنا قراءة الإدارة ، وهي أن يقرأ قارئ ثم يقطع ، ثم يقرأ غيره بما بعد قراءته ، وأما لو أعاد ما قرأه الأول وهكذا فلا يكره ; لأن جبريل كان يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن برمضان .
حكى ابن تيمية عن أكثر العلماء أن قراءة الإدارة حسنة كالقراءة مجتمعين بصوت واحد .
وقال النوويّ عن قراءة الإدارة: هذا جائز حسن ، قد سئل مالك رحمه الله تعالى عنه فقال: لا بأس به ، وصوبه البنانيّ والدّسوقيّ .
لكن صرح الحنفية والمالكية بكراهة قراءة الجماعة معًا بصوت واحد لتضمّنها ترك الاستماع والإنصات وللزوم تخليط بعضهم على بعض .
قال صاحب غنية المتملّي: يكره للقوم أن يقرءوا القرآن جملةً لتضمّنها ترك الاستماع والإنصات ، وقيل: لا بأس به .
«الأماكن التي تكره فيها قراءة القرآن»
21 -يستحبّ أن تكون القراءة في مكان نظيف مختار ، ولهذا استحب جماعة من العلماء أن تكون القراءة في المسجد لكونه جامعًا للنظافة وشرف البقعة ، قاله النوويّ .
وصرح فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة بكراهة قراءة القرآن في المواضع القذرة ، واستثنى المالكية الآيات اليسيرة للتعوّذ ونحوه .
قال الحنفية: تكره القراءة في المسلخ والمغتسل ومواضع النجاسة .
واختلفوا في القراءة في الحمام ، فذهب الشافعية إلى جوازها من غير كراهة ، وقال المالكية بكراهتها إلا الآيات اليسيرة للتعوّذ ونحوه .
وقال الحنفية: القراءة في الحمام إن لم يكن فيه أحد مكشوف العورة وكان الحمام طاهرًا تجوز جهرًا وخفيةً ، وإن لم يكن كذلك فإن قرأ في نفسه فلا بأس به ويكره الجهر .
وكره أبو حنيفة القراءة عند القبور ، وأجازها محمد وبقوله أخدّ مشايخ الحنفية لورود الآثار به، منها ما روي أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما استحب أن يقرأ على القبر بعد الدفن أول سورة البقرة وخاتمتها .
ونص الحنابلة على كراهة القراءة بأسواق ينادى فيها ببيع ، ويحرم رفع صوت القارئ بها ، لما فيه من الامتهان للقرآن .
«الأحوال التي تجوز فيها قراءة القرآن والتي تكره»
22 -ذهب الحنفية والشافعية إلى جواز القراءة في الطريق إذا لم يلته عنها صاحبها ، فإن التهى صاحبها عنها كرهت .