مَا يُكْرَهُ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَمَا يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ: 6 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ سُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ فِي الصَّلَاةِ , بَلْ اسْتَحَبَّ الشَّافِعِيَّةُ قِرَاءَةَ السَّجْدَةِ وَالْإِنْسَانِ فِي صُبْحِ الْجُمُعَةِ , وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ لَا تُسْتَحَبُّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِمَا لِيُعْرَفَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ . قَالَ الْحَنَابِلَةُ: لَا يُكْرَهُ مُلَازَمَةُ سُورَةٍ يُحْسِنُ غَيْرَهَا مَعَ اعْتِقَادِهِ جَوَازَ غَيْرِهَا . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُوَقِّتَ بِشَيْءٍ . مِنْ الْقُرْآنِ لِشَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ كَالسَّجْدَةِ وَالْإِنْسَانِ لِفَجْرِ الْجُمُعَةِ , وَالْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ لِلْجُمُعَةِ . قَالَ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ: الْمُدَاوَمَةُ مُطْلَقًا مَكْرُوهَةٌ سَوَاءٌ رَآهُ حَتْمًا يُكْرَهُ غَيْرُهُ أَوْ لَا , لِإِيهَامِهِ التَّعْيِينَ , كَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْرَأَ بِذَلِكَ أَحْيَانًا تَبَرُّكًا بِالْمَأْثُورِ . وَكَرِهَ مَالِكٌ الِاقْتِصَارَ عَلَى بَعْضِ السُّورَةِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ . كَمَا يُكْرَهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَقْرَأَ آخِرَ سُورَةٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ , وَيَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ آخِرَ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ قِرَاءَةُ بَعْضِ السُّورَةِ , لِعُمُومِ قوله تعالى: { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } , لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: { كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ: قُولُوا آمَنَّا بِاَللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا } وَفِي الثَّانِيَةِ قوله تعالى: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ } . لَكِنْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ السُّورَةَ الْكَامِلَةَ أَفْضَلُ مِنْ قَدْرِهَا مِنْ طَوِيلَةٍ ; لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ بِهَا وَالْوَقْفَ عَلَى آخِرِهَا صَحِيحَانِ بِالْقَطْعِ بِخِلَافِهِمَا فِي بَعْضِ السُّورَةِ , فَإِنَّهُمَا يَخْفَيَانِ , وَمَحَلُّهُ فِي غَيْرِ التَّرَاوِيحِ , أَمَّا فِيهَا فَقِرَاءَةُ بَعْضِ الطَّوِيلَةِ أَفْضَلُ , وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ السُّنَّةَ فِيهَا الْقِيَامُ بِجَمِيعِ الْقُرْآنِ , بَلْ صَرَّحُوا بِأَنَّ كُلَّ مَحَلٍّ وَرَدَ فِيهِ الْأَمْرُ بِالْبَعْضِ فَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ كَقِرَاءَةِ آيَتَيْ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ . وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ إذَا قَرَأَ الْمُصَلِّي سُورَةً وَاحِدَةً فِي رَكْعَتَيْنِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ , لَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ , وَلَوْ فَعَلَ لَا بَأْسَ بِهِ . وَصَرَّحُوا أَيْضًا بِكَرَاهَةِ الِانْتِقَالِ مِنْ آيَةٍ مِنْ سُورَةٍ إلَى آيَةٍ مِنْ سُورَةٍ أُخْرَى , أَوْ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَبَيْنَهُمَا آيَاتٌ . وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ قِرَاءَةِ كُلِّ الْقُرْآنِ فِي فَرْضٍ وَاحِدٍ لِعَدَمِ نَقْلِهِ وَلِلْإِطَالَةِ , وَلَا تُكْرَهُ قِرَاءَتُهُ كُلُّهُ فِي نَفْلٍ ; لِأَنَّ عُثْمَانَ رضي الله تعالى عنه كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ , وَلَا تُكْرَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ كُلِّهِ فِي الْفَرَائِضِ عَلَى تَرْتِيبِهِ . قَالَ حَرْبٌ: قُلْت لِأَحْمَدَ: الرَّجُلُ يَقْرَأُ عَلَى التَّأْلِيفِ فِي الصَّلَاةِ , الْيَوْمَ سُورَةً وَغَدًا الَّتِي تَلِيهَا ؟ قَالَ: لَيْسَ فِي هَذَا شَيْءٌ , إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ .
مَا يَحْرُمُ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ: 7 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ لَوْ تَرَكَ تَرْتِيبَ السُّوَرِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مَعَ كَوْنِهِ وَاجِبًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ وَاجِبًا أَصْلِيًّا مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ . وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِحُرْمَةِ تَنْكِيسِ الْآيَاتِ الْمُتَلَاصِقَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ , وَأَنَّهُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ ; لِأَنَّهُ كَكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ . وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَاتِحَةِ مُرَتَّبَةً فَإِذَا بَدَأَ بِنِصْفِهَا الثَّانِي لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ بَدَأَ بِهِ عَامِدًا أَمْ سَاهِيًا وَيَسْتَأْنِفُ الْقِرَاءَةَ . هَذَا مَا لَمْ يُغَيِّرْ الْمَعْنَى . فَإِنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى بَطَلَتْ صَلَاتُهُ . كَمَا صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِحُرْمَةِ تَنْكِيسِ كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ , قَالُوا: لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِإِخْلَالِ نَظْمِهِ كَلَامًا أَجْنَبِيًّا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ , كَمَا صَرَّحُوا بِحُرْمَةِ الْقِرَاءَةِ عَمَّا يَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ لِعَدَمِ تَوَاتُرِهِ وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ . قَالَ الْبُهُوتِيُّ: قَالَ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ"وَظَاهِرُهُ وَلَوْ وَافَقَ قِرَاءَةَ أَحَدٍ مِنْ الْعَشَرَةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ"