الْأَحْوَالُ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَاَلَّتِي تُكْرَهُ: 22 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى جَوَازِ الْقِرَاءَةِ فِي الطَّرِيقِ إذَا لَمْ يَلْتَهِ عَنْهَا صَاحِبُهَا , فَإِنْ الْتَهَى صَاحِبُهَا عَنْهَا كُرِهَتْ . قَالَ فِي غُنْيَةِ الْمُتَمَلِّي: الْقِرَاءَةُ مَاشِيًا أَوْ وَهُوَ يَعْمَلُ عَمَلًا إنْ كَانَ مُنْتَبِهًا لَا يَشْغَلُ قَلْبَهُ الْمَشْيُ وَالْعَمَلُ جَائِزَةٌ وَإِلَّا تُكْرَهْ . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لِلْمَاشِي فِي الطَّرِيقِ وَالرَّاكِبِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ . وَخَصَّ الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ لِلْمَاشِي مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ أَوْ إلَى حَائِطِهِ , وَكَرِهُوا الْقِرَاءَةَ لِلْمَاشِي إلَى السُّوقِ , وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَاشِيَ لِلسُّوقِ فِي قِرَاءَتِهِ ضَرْبٌ مِنْ الْإِهَانَةِ لِلْقُرْآنِ بِقِرَاءَتِهِ فِي الطُّرُقَاتِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَاشِي مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ ; لِأَنَّ قِرَاءَتَهُ مُعِينَةٌ لَهُ عَلَى طَرِيقِهِ . وَأَجَازَ الْفُقَهَاءُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ لِلْمُضْطَجِعِ , لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها قَالَتْ: { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ } وَفِي رِوَايَةٍ: { يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِي } . قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: وَيَضُمُّ رِجْلَيْهِ لِمُرَاعَاةِ التَّعْظِيمِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ . وَقَالُوا: يَجِبُ عَلَى الْقَارِئِ احْتِرَامُ الْقُرْآنِ بِأَنْ لَا يَقْرَأَهُ فِي الْأَسْوَاقِ وَمَوَاضِعِ الِاشْتِغَالِ , فَإِذَا قَرَأَهُ فِيهِمَا كَانَ هُوَ الْمُضَيِّعُ لِحُرْمَتِهِ فَيَكُونُ الْإِثْمُ عَلَيْهِ دُونَ أَهْلِ الِاشْتِغَالِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ فِي إلْزَامِهِمْ تَرْكَ أَسْبَابِهِمْ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا , فَلَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَبِجَنْبِهِ رَجُلٌ يَكْتُبُ الْفِقْهَ وَلَا يُمْكِنُ الْكَاتِبَ الِاسْتِمَاعُ فَالْإِثْمُ عَلَى الْقَارِئِ لِقِرَاءَتِهِ جَهْرًا فِي مَوْضِعِ اشْتِغَالِ النَّاسِ بِأَعْمَالِهِمْ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْكَاتِبِ , وَلَوْ قَرَأَ عَلَى السَّطْحِ فِي اللَّيْلِ جَهْرًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ يَأْثَمُ . وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَابِلَةُ مِنْ كَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ بِأَسْوَاقٍ يُنَادَى فِيهَا بِبَيْعٍ , وَمُحَرَّمٌ عَلَى الْقَارِئِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا . وَصَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِكَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ لِلنَّاعِسِ , قَالَ: كَرِهَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْقِرَاءَةَ لِلنَّاعِسِ مَخَافَةً مِنْ الْغَلَطِ . وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى كَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ حَالَ خُرُوجِ الرِّيحِ , فَإِذَا غَلَبَهُ الرِّيحُ أَمْسَكَ عَنْ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يُخْرِجَهُ ثُمَّ يَشْرَعَ بِهَا . قَالَ النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يُمْسِكَ عَنْ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يَتَكَامَلَ خُرُوجُهُ ثُمَّ يَعُودَ إلَى الْقِرَاءَةِ , وَهُوَ أَدَبٌ حَسَنٌ , وَإِذَا تَثَاءَبَ أَمْسَكَ عَنْ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يَنْقَضِيَ التَّثَاؤُبُ ثُمَّ يَقْرَأَ .
آدَابُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ: 23 - يُسْتَحَبُّ لِلْقَارِئِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَكْمَلِ أَحْوَالِهِ مِنْ طَهَارَةِ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ , وَيَجْلِسَ مُتَخَشِّعًا بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ . وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ ( تِلَاوَةٌ ف 6 ) .
الِاسْتِئْجَارُ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ: 24 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا . فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ . قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: وَإِذَا قَرَأَ جُنُبًا وَلَوْ نَاسِيًا لَا يَسْتَحِقُّ أُجْرَةً . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْقِرَاءَةِ . قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى التِّلَاوَةِ وَإِنْ صَارَ مُتَعَارَفًا , فَالْعُرْفُ لَا يُجِيزُهُ ; لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ , وَهُوَ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ أَئِمَّتُنَا مِنْ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: { اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَلَا تَغْلُوا فِيهِ , وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ , وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ , وَلَا تَسْتَكْبِرُوا بِهِ } , وَالْعُرْفُ إذَا خَالَفَ النَّصَّ يُرَدُّ بِالِاتِّفَاقِ , وَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ جَوَازُ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ لَا عَلَى تِلَاوَتِهِ خِلَافًا لِمَنْ وَهَمَ . لَكِنْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْجَعَالَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ بِلَا شَرْطٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ .