وقال ابن قدامة: إذا سمع الإنسان متكلّمًا لم ينهه بالكلام لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت » ولكن يشير إليه , نصّ عليه أحمد , فيضع أصبعه على فيه , وممّن رأى أن يشير ولا يتكلّم زيد بن صوحان وعبد الرّحمن بن أبي ليلى والثّوري والأوزاعي وابن المنذر , وكره الإشارة طاووس .
وذهب الشّافعي في الجديد وأحمد في روايةٍ أخرى إلى أنّه لا يحرم الكلام , والإنصات سنّة , لما ورد: « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دخل عليه رجل وهو يخطب يوم الجمعة ، فقال: متى السّاعة ؟ فأومأ النّاس إليه بالسكوت فلم يفعل وأعاد الكلام فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعد الثّالثة: ويحك ما أعددت لها ؟ قال: حب اللّه ورسوله ، فقال: إنّك مع من أحببت » .
ولم ينكر عليهم النّبي صلى الله عليه وسلم كلامهم ولو حرم عليهم لأنكره عليهم .
وروى أنس رضي الله عنه قال: « بينما النّبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قام رجل فقال: يا رسول اللّه هلك الكراع وهلك الشّاة فادع اللّه أن يسقينا . . » وذكر الحديث .
وورد أنّ عثمان دخل وعمر يخطب فقال عمر: ما بال رجالٍ يتأخّرون بعد النّداء ، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين ما زدت حين سمعت النّداء أن توضّأت , فدلّت الأحاديث على جواز الكلام حال الخطبة .
18 -وقال الشّافعيّة: يجوز الكلام قبل الشروع في الخطبة وبعد الفراغ منها وقبل الصّلاة , وفيما بين الخطبتين خلاف , والظّاهر أنّه لا يحرم وجزم به في المهذّب , هذا في الكلام الّذي لا يتعلّق به غرض مهم , فأمّا إذا رأى أعمى يقع في بئرٍ أو عقربًا تدب على إنسانٍ فأنذره فلا يحرم بلا خلافٍ , وكذا لو أمر بمعروفٍ أو نهى عن منكرٍ فإنّه لا يحرم قطعًا وقد نصّ على ذلك الشّافعي واتّفق عليه الأصحاب .
ووافق الحنابلة الشّافعيّة في جواز الكلام قبل الخطبتين وبعدهما وبينهما إذا سكت الإمام . وقال أبو حنيفة: إذا خرج الإمام يوم الجمعة ترك النّاس الصّلاة والكلام حتّى يفرغ من خطبته .
وقال أبو يوسف ومحمّد: لا بأس بالكلام إذا خرج الإمام قبل أن يخطب وإذا نزل قبل أن يكبّر , واختلفا في جلوسه إذا سكت: فعند أبي يوسف يباح الكلام في هذه الحالة لأنّ الكراهة للإخلال بفرض الاستماع ولا استماع هنا .
وعند محمّدٍ لا يباح الكلام لإطلاق الأمر .
وعند المالكيّة يحرم الكلام بين الخطبتين ويجوز بعد الخطبة .
الكلام في المساجد:
19 -اختلف الفقهاء في الكلام في المساجد:
فذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى كراهة الكلام في المساجد بأمرٍ من أمور الدنيا .
قال الحنفيّة: والكلام المباح فيه مكروه يأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب فإنّه مكروه والكراهة تحريميّة , لأنّ المساجد لم تبن له .
وقال الحنابلة: ويكره أن يخوض في حديث الدنيا , ويشتغل بالطّاعة من الصّلاة والقراءة والذّكر .
وذهب الشّافعيّة إلى جواز الكلام المباح في المسجد , قال النّووي: يجوز التّحدث بالحديث المباح في المسجد وبأمور الدنيا وغيرها من المباحات وإن حصل فيها ضحك ونحوه ما دام مباحًا لحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لا يقوم من مصلاه الّذي يصلّي فيه الصبح حتّى تطلع الشّمس ، فإذا طلعت الشّمس قام ، وكانوا يتحدّثون فيأخذون في أمر الجاهليّة فيضحكون ويتبسّم » .
الكلام عند قراءة القرآن:
20 -ذهب الحنفيّة في ظاهر المذهب إلى حرمة الكلام عند قراءة القرآن فإنّ استماع القرآن والإنصات له أي الإمساك عن الكلام عند قراءته واجب مطلقًا سواء في الصّلاة أو خارجها سواء فهم المعنى أو لا , لقوله تعالى: { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } .
ويكره السّلام عندهم تحريمًا عند قراءة القرآن على القارئ جهرًا كان أو خفيةً , أمّا غير القارئ فيكره السّلام عليه إذا كانت القراءة جهرًا .
قال الحليمي: يكره الكلام عند قراءة القرآن , ويكره أيضًا قطع القراءة لمكالمة أحدٍ , واستدلّ بما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه كان إذا قرأ القرآن لم يتكلّم حتّى يفرغ منه , ولأنّ كلام اللّه لا ينبغي أن يؤثر عليه كلام غيره .
ويسن الاستماع لقراءة القرآن وترك الكلام واللّغط والحديث لحضور القراءة .
وتفصيل ذلك في مصطلح: ( استماع ف 3 وما بعدها , وتلاوة ف 17 , وقرآن ف 16 ) .
الكلام في الطّواف:
21 -صرّح الحنفيّة بكراهة الكلام أثناء الطّواف لكنّه محمول على ما لا حاجة فيه , لأنّ ذلك يشغله عن الدعاء , وإلى هذا ذهب المالكيّة .
وذهب الشّافعيّة إلى جواز الكلام في الطّواف ولا يبطل به ولا يكره , لكن الأولى والأفضل ترك الكلام في الطّواف إلا أن يكون كلامًا في خيرٍ كأمرٍ بمعروفٍ أو نهيٍ عن منكرٍ أو تعليم جاهلٍ أو جواب فتوى , لحديث النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « الطّواف بالبيت صلاة إلا أنّ اللّه تعالى أحلّ لكم فيه الكلام فمن يتكلّم فلا يتكلّم إلا بخيرٍ » .