واختار ابن حامدٍ أن يؤخذ الرّكاز كله من الذّمّيّ لبيت المال ولا خمس عليه , والمذهب هو الأوّل وهو أنّه لا فرق بين المسلم والذّمّيّ في وجوب الخمس .
وقد ذكر النّووي أنّ حكم الذّمّيّ في الرّكاز حكمه في المعدن . فلا يمكّن من أخذه في دار الإسلام , فإن وجده ملكه على المذهب .
واشترط الشّافعيّة لوجوب الخمس في الرّكاز كون واجده مسلمًا لأنّ خمس الرّكاز يصرف مصرف الزّكاة عندهم , وليس غير المسلم كالذّمّيّ من أهل الزّكاة فلا يجب عليه .
وأوجب الخراسانيون من الشّافعيّة على الذّمّيّ الخمس بناءً على أنّ مصرفه مصرف الفيء , فلا يشترط أن يكون من أهل الزّكاة لوجوب الخمس عليه .
ح - أهليّة الواجد:
29 -يقصد بهذه الأهليّة صلاحية الواجد للاستحقاق من الغنيمة , وهذا هو تفسير الحنفيّة ومن وافقهم من المالكيّة والحنابلة , ولذا يجب الخمس على الواجد وأربعة أخماسه له لتعلق الواجب بالعين , فيستوي عندهم أن يكون الواجد حرًا أو عبدًا مسلمًا أو ذمّيًا صبيًا أو بالغًا رجلًا أو امرأةً , فإنّه يؤخذ منه الخمس , والباقي يكون للواجد , سواء وجده في أرض العشر أو أرض الخراج , لأنّ استحقاق هذا المال كاستحقاق الغنيمة , ولجميع من سمّينا حق في الغنيمة إمّا سهمًا وإمّا رضخًا فإنّ الصّبيّ والعبد والذّمّيّ والمرأة يرضخ لهم , ويستدل الجمهور على مذهبهم بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: « وفي الرّكاز الخمس » , ولأنّه أشبه بالغنيمة في تعلق الواجب بعينها , ولأنّه اكتساب مالٍ فكان لمكتسبه حرًا أو عبدًا صغيرًا أو كبيرًا أو امرأةً .
موانع وجوب الخمس في الكنز:
يمتنع وجوب الخمس أو بعضه لعدّة أسبابٍ أهمها:
تلف الكنز بعد خروجه تلفًا جزئيًا أو كلّيًا وظهور مالكه , واشتراط الإمام على الواجد العمل في احتفار الكنوز واستخراجها لبيت المال , وما إلى ذلك , وفيما يلي توضيح هذه الموانع بوجه الإجمال والإيجاز:
أ - تلف الكنز جزئيًا أو كلّيًا:
30 -يرى المالكيّة أنّ الرّكاز يأخذ مأخذ الزّكاة إذا احتاج لكبير نفقةٍ أو عملٍ في تخليصه فإذا تلف بعضه أو كله بعد إمكان الأداء لا تسقط عنه الزّكاة , وإن كان التّلف قبل التّمكن من الأداء فلا شيء عليه .
وقال الشّافعيّة: إذا تلف الرّكاز قبل التّمكن من إخراج الواجب فيه , وكان التّلف بدون تفريطٍ في حفظه , فلا يجب الخمس , قياسًا على المال المزكّى قبل أن يتمكّن المالك من إخراج زكاته .
وللتّفصيل: ( ر: زكاة 139 - 140 ) .
ب - مديونيّة الواجد:
31 -لا يمنع الدّين على الواجد وجوب الخمس عند الحنفيّة والمالكيّة , وعند الحنفيّة يجوز للواجد أن يكتم الخمس لنفسه ولا يخرجه إذا كان فقيرًا أو مدينًا محتاجًا , بمعنى أنّه يتأوّل أنّ له حقًا في بيت المال ونصيبًا في الفيء فأجازوا له أن يأخذ الخمس لنفسه عوضًا عن ذلك , لا أنّهم أسقطوا الخمس عن المعادن .
أمّا الشّافعيّة فأظهر الأقوال عندهم أنّ الدّين لا يمنع وجوب الزّكاة , والمرجوح عندهم أنّ الدّين يمنع الواجب في المال الباطن وهو النّقد , والرّكاز والعرض , ولا يمنع في الظّاهر , وهو الماشية والزروع والثّمار والمعدن , والفرق أنّ الظّاهر ينمو بنفسه , والباطن إنّما ينمو بالتّصرف فيه , والدّين يمنع من ذلك ويحوج إلى صرفه في قضائه , ومحل الخلاف كما جاء في حاشية الجمل ألا يزيد المال على الدّين بمقدار النّصاب , فإن زاد بما يبلغ النّصاب زكّى الزّائد , وألا يكون له ما يؤدّي دينه منه غير المال المزكّى , فإن كان لم يمنع قطعًا عند جمهورهم .
وعند الحنابلة: الدّين يمنع وجوب الزّكاة في الأموال الباطنة روايةً واحدةً , وهي الأثمان وعروض التّجارة , وبه قال عطاء وسليمان بن يسارٍ والحسن والنّخعي واللّيث والثّوري والأوزاعي وإسحاق وأبو ثورٍ , وقال ربيعة وحمّاد بن أبي سليمان لا يمنع , لأنّه حر مسلم ملك نصابًا حولًا فوجبت عليه الزّكاة كمن لا دين عليه , ودليل القول بمنع الدّين زكاة ما يقابله قوله صلى الله عليه وسلم: « لا صدقة إلا عن ظهر غنىً » .
أمّا الأموال الظّاهرة وهي المواشي والحبوب والثّمار ففيها روايتان:
إحداهما أنّ الدّين يمنع وجوب الزّكاة فيها لما ذكرنا , قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم: يبتدئ بالدّين فيقضيه ثمّ ينظر ما بقي عنده بعد إخراج النّفقة فيزكّيه , ولا يكون على أحدٍ دينه أكثر من ماله , صدقة في إبلٍ أو بقرٍ أو غنمٍ أو زرعٍ , وهذا قول عطاءٍ والحسن والنّخعيّ وسليمان بن يسارٍ والثّوريّ واللّيث وإسحاق .
والرّواية الثّانية: لا يمنع الزّكاة فيها , وهو قول الأوزاعيّ .
والرّواية الثّالثة: أنّه لا يمنع الدّين الزّكاة في الأموال الظّاهرة إلا في الزروع والثّمار فيما استدانه للإنفاق عليها خاصّةً , وهذا ظاهر كلام الخرقيّ .
وللتّفصيل: ( ر: زكاة ف 33 - 34 ) .
ج - الشّرط والاتّفاق مع الإمام:
32 -إذا لم يأذن الإمام في العمل لاستخراج الكنوز إلا بشروطٍ خاصّةٍ كأن يأخذ الواجد أجرةً معيّنةً ويكون الخارج لبيت مال المسلمين فإنّ مثل هذا الشّرط يصح ويجب الوفاء به لأنّ المسلمين على شروطهم .