وقال البهوتي: في تسويد سنٍّ وظفرٍ وتسويد أنفٍ وتسويد أذنٍ بحيث لا يزول التّسويد دية ذلك العضو كاملةً لإذهاب جماله .
لكن ابن قدامة فصّل في تسويد السّنّ فقال: حكي عن أحمد روايتان:
إحداهما: تجب ديتها كاملةً وهو ظاهر كلام الخرقيّ ويروى هذا عن زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه , وبه قال سعيد بن المسيّب والحسن وابن سيرين وشريح والزهري وعبد الملك بن مروان والنّخعيّ وعبد العزيز بن أبي سلمة واللّيث والثّوري , لأنّه أذهب الجمال على الكمال فكملت ديتها .
والرّواية الثّانية عن أحمد أنّه إن أذهب منفعتها من المضغ عليها ونحوه ففيها ديتها , وإن لم يذهب نفعها ففيها حكومة وهو قول القاضي .
أما إن اصفرّت السّن أو احمرّت لم تكتمل ديتها , لأنّه لم يذهب الجمال على الكمال وفيها حكومة , وإن اخضرّت احتمل أن يكون كتسويدها لأنّه يذهب بجمالها , واحتمل أن لا يجب فيها إلا حكومة , لأنّ ذهاب جمالها بتسويدها أكثر فلم يلحق به غيره كما لو حمّرها .
وقال البهوتي: من جنى على سنٍّ صغيرٍ فقلعه ولم يعد , أو عاد أسود واستمرّ أسود , أو عاد أبيض ثمّ اسودّ بلا علّةٍ ففيها خمس من الإبل , روي ذلك عن عمر وابن عبّاسٍ رضي الله عنهم , وإن عاد السّن أبيض ثمّ اسودّ لعلّة ففيها حكومة لأنّها أرش كلّ ما لا مقدّر فيه . ومن ضرب وجه إنسانٍ فاسودّ الوجه ولم يزل سواده ففيه الدّية كاملةً , لأنّه فوّت الجمال على الكمال فضمنه بديته كقطع أذن الأصمّ , وإن زال السّواد يرد ما أخذه لزوال سبب الضّمان , وإن زال بعضه وجبت فيه حكومة وردّ الباقي .
وإن صار الوجه أحمر أو أصفر ففيه حكومة كما لو سوّد بعضه , لأنّه لم يذهب الجمال على الكمال .
أثر اللّون في ضمان المغصوب:
تلوين الغاصب المغصوب بلون من عنده:
1 -لو غيّر الغاصب المغصوب فلوّنه بلون غير لونه الأصليّ فللفقهاء في ذلك تفصيل بيانه ما يلي:
ذهب المالكيّة وأبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة إلى أنّ من غصب من إنسانٍ ثوبًا فصبغه الغاصب بصبغ نفسه بأيّ لونٍ كان , أسود أو أحمر أو أصفر بالعصفر والزّعفران وغيرهما من الألوان فصاحب الثّوب بالخيار إن شاء أخذ الثّوب من الغاصب , لأنّ الثّوب ملكه لبقاء اسمه ومعناه , ولكنّه يضمن ما زاد الصّبغ فيه فيعطيه للغاصب , لأنّ للغاصب عين مالٍ متقوّمٍ قائمٍ فلا سبيل إلى إبطال ملكه عليه من غير ضمانٍ فكان الأخذ بضمانه رعايةً للجانبين .
وإن شاء المغصوب منه ترك الثّوب على الغاصب وضمّنه قيمة ثوبه أبيض يوم الغصب لأنّه لا سبيل إلى جبره على أخذ الثّوب , إذ لا يمكنه أخذه إلا بضمان , وهو قيمة ما زاد الصّبغ فيه , ولا سبيل إلى جبره على الضّمان لانعدام مباشرة سبب وجوب الضّمان منه .
وإن نقصت قيمة الثّوب بصبغه فيخيّر ربه في أخذه مع أرش نقصه , أو أخذ قيمة الثّوب يوم غصبه .
وفرّق أبو حنيفة في الألوان , فوافق أبا يوسف ومحمّدًا فيما لو كان الغاصب صبغه أحمر أو أصفر أما لو صبغه أسود فقال أبو حنيفة: صاحب الثّوب بالخيار إن شاء تركه على الغاصب وضمّنه قيمة ثوبه أبيض , وإن شاء أخذ الثّوب ويضمن الغاصب النقصان , وهذا بناءً على أنّ السّواد نقصان عند أبي حنيفة .
وللحنفيّة قول آخر , قيل: إنّ لصاحب الثّوب خيارًا ثالثًا وهو أنّ له ترك الثّوب على حاله وكان الصّبغ فيه للغاصب فيباع الثّوب ويقسم الثّمن على قدر حقّهما , لأنّ التّمييز متعذّر فصارا شريكين .
وقال الحنفيّة أيضًا: لو غصب عصفرًا وثوبًا من رجلٍ واحدٍ فصبغه أي الثّوب به فالمغصوب منه يأخذ الثّوب مصبوغًا ويبرئ الغاصب من الضّمان في العصفر والثّوب استحسانًا , لأنّ المغصوب منه واحد , ولأنّ خلط مال الإنسان بماله لا يعد استهلاكًا له بل يكون نقصانًا , فإذا اختار أخذ الثّوب فقد أبرأه عن النقصان , والقياس أن يضمن الغاصب عصفرًا مثله , ثمّ يصير كأنّه صبغ ثوبه بعصفر نفسه , فيثبت الخيار لصاحب الثّوب . وقالوا كذلك: لو غصب من إنسانٍ ثوبًا ومن إنسانٍ صبغًا فصبغه به: فإنّ الغاصب يضمن لصاحب الصّبغ صبغًا مثل صبغه , ويصبح مالكًا للصّبغ بالضّمان , وصاحب الثّوب بعد ذلك بالخيار إن شاء أخذ الثّوب من الغاصب وأعطاه ما زاد الصّبغ فيه وإن شاء ترك الثّوب على الغاصب وضمّنه قيمة ثوبه أبيض يوم الغصب , وقيل يباع الثّوب ويقسم الثّمن على قدر حقّهما .
وقال الشّافعيّة: لو صبغ الغاصب الثّوب بصبغه وأمكن فصله منه بأن لم ينعقد الصّبغ به أجبر على الفصل وإن خسر كثيرًا أو نقصت قيمة الصّبغ بالفصل في الأصحّ كالبناء والغراس , وله الفصل قهرًا على المالك وإن نقص الثّوب به لأنّه يغرم أرش النّقص فإن لم يحصل به نقص فكالتّزويق فلا يستقل الغاصب بفصله ولا يجبره المالك عليه , ومقابل الأصحّ لا , لما فيه من ضرر الغاصب لأنّه يضيع بفصله .
وخرج بصبغه صبغ المالك فالزّيادة كلها له والنّقص على الغاصب , ويمتنع فصله بغير إذن المالك وله إجباره عليه مع أرش النّقص , وصبغ مغصوبٍ من آخر فلكلّ من مالكي الثّوب والصّبغ تكليفه فصلًا أمكن مع أرش النّقص , فإن لم يمكن فهما في الزّيادة والنّقص كما في قوله .