وإن لم يمكن فصله لتعقده فإن لم تزد قيمته ولم تنقص بأن كان يساوي عشرةً قبله وساواها بعده مع أنّ الصّبغ قيمته خمسة لا لانخفاض سوق الثّياب بل لأجل الصّبغ فلا شيء للغاصب فيه ولا عليه , إذ غصبه كالمعدوم حينئذٍ وإن نقصت قيمته بأن صار يساوي خمسةً لزمه الأرش لحصول النّقص بفعله , وإن زادت قيمته بسبب العمل والصّبغ اشتركا في الثّوب هذا بصبغه وهذا بثوبه أثلاثًا , ثلثاه للمغصوب منه وثلث للغاصب , أما إذا زاد سعر أحدهما فقط بارتفاعه فالزّيادة لصاحبه , وإن نقص عن الخمسة عشر قيمتها كأن ساوى اثني عشر , فإن كان النّقص بسبب انخفاض سعر الثّياب فهو على الثّوب , أو سعر الصّبغ أو بسبب الصّنعة فعلى الصّبغ , قاله في الشّامل والتّتمّة , وبهذا أي اختصاص الزّيادة عن ارتفاع سعر ملكه يعلم أنّه ليس معنى اشتراكهما كونه على وجه الشيوع بل هذا بثوبه وهذا بصبغه .
ولو بذل صاحب الثّوب للغاصب قيمة الصّبغ ليتملّكه لم يجب إليه أمكن فصله أم لا , ولو أراد أحدهما الانفراد ببيع ملكه لثالث لم يصحّ , إذ لا ينتفع به وحده كبيع دارٍ لا ممرّ لها , نعم لو أراد المالك بيع الثّوب لزم الغاصب بيع صبغه معه لأنّه متعدٍّ فليس له أن يضرّ بالمالك , بخلاف ما لو أراد الغاصب بيع صبغه لا يلزم مالك الثّوب بيعه معه لئلا يستحقّ المتعدّي بتعدّيه إزالة ملك غيره .
ولو طيّرت الرّيح ثوبًا إلى مصبغة آخر فانصبغ فيها اشتركا في المصبوغ ولم يكلّف أحدهما البيع ولا الفصل ولا الأرش وإن حصل نقص إذ لا تعدّي .
وقال الحنابلة: إن غصب ثوبًا فصبغه الغاصب بصبغه فنقصت قيمة الثّوب والصّبغ أو نقص قيمة أحدهما ضمن الغاصب النّقص لأنّه حصل بتعدّيه فضمنه , كما لو أتلف بعضه , وإن كان النّقص بسبب تغير الأسعار لم يضمنه , وإن لم تنقص قيمتهما ولم تزد أو زادت قيمتهما فهما أي رب الثّوب والصّبغ شريكان في الثّوب وصبغه بقدر ملكيهما , فيباع ذلك ويوزّع الثّمن على قدر القيمتين , وإن زادت قيمة أحدهما من ثوبٍ أو صبغٍ فالزّيادة لصاحبه يختص بها , لأنّ الزّيادة تبع للأصل , هذا إذا كانت الزّيادة لغلوّ سعرٍ , فإن حصلت الزّيادة بالعمل فهي بينهما , لأنّ ما عمله الغاصب في العين المغصوبة لمالكها حيث كان أثرًا , وزيادة مال الغاصب له , وإن أراد مالك الثّوب أو الغاصب قلع الصّبغ من الثّوب لم يجبر الآخر عليه , لأنّ فيه إتلافًا لملكه , وإن أراد مالك الثّوب بيع الثّوب فله ذلك لأنّه ملكه وهو عين , وصبغه باقٍ للغاصب , ولو أبى الغاصب بيع الثّوب فلا يمنع منه مالكه , لأنّه لا حجر له عليه في ملكه , وإن أراد الغاصب بيع الثّوب المصبوغ لم يجبر المالك لحديث: « إنّما البيع عن تراضٍ » , وإن بذل الغاصب لربّ الثّوب قيمته ليملكه , أو بذل رب الثّوب قيمة الصّبغ للغاصب ليملكه , لم يجبر الآخر لأنّها معاوضة لا تجوز إلا بتراضيهما .
وصحّح الحارثي أنّ لمالك الثّوب تملك الصّبغ بقيمته , ليتخلّص من الضّرر .
وإن وهب الغاصب الصّبغ لمالك الثّوب لزم المالك قبوله لأنّه صار من صفات العين , فهو كزيادة الصّفة في المسلم فيه .
وإن غصب صبغًا فصبغ به الغاصب ثوبه فهما شريكان بقدر حقّيهما في ذلك فيباع ويوزّع الثّمن على قدر الحقّين , لأنّه بذلك يصل كل منهما لحقّه , ويضمن الغاصب النّقص إن وجد لحصوله بفعله , ولا شيء له إن زاد المغصوب في نظير عمله لتبرعه به .
وإن غصب ثوبًا وصبغًا من واحدٍ فصبغه به ردّه الغاصب وردّ أرش نقصه إن نقص لتعدّيه به ولا شيء له في زيادته بعمله فيه , لأنّه متبرّع به , وإن كان من اثنين اشتركا في الأصل والزّيادة بالقيمة , وما نقص من أحدهما غرمه الغاصب , وإن نقص السّعر لنقص سعر الثّياب أو الصّبغ أو لنقص سعرهما لم يضمنه الغاصب , ونقص كلّ واحدٍ منها من صاحبه , وإن أراد أحدهما قلع الصّبغ لم يجبر الآخر .
أثر اختلاف اللّون في ضمان الأجير:
9 -ذكر الحنفيّة أنّ من دفع ثوبًا إلى صبّاغٍ ليصبغه لونًا معيّنًا فصبغه لونًا آخر فصاحب الثّوب بالخيار: إن شاء ضمّنه قيمة ثوبٍ أبيض وسلّم الثّوب للأجير وذلك لفوات غرضه , لأنّ الأغراض تختلف باختلاف الألوان , فله أن يضمّنه قيمة ثوبٍ أبيض لتفويته عليه منفعةً مقصودةً , فصار متلفًا الثّوب عليه فكان له أن يضمّنه , وإن شاء أخذ الثّوب وأعطى الأجير ما زاد الصّبغ فيه , لأنّ الضّمان وجب حقًا له فله أن يسقط حقّه , ولا أجر للصّبّاغ , لأنّه لم يأت بما وقع عليه العقد رأسًا حيث لم يوفّ العمل المأذون فيه أصلًا فلا يستحق الأجر , ويعطيه ما زاد الصّبغ فيه إن كان الصّبغ ممّا يزيد كالحمرة والصفرة ونحوهما , لأنّه عين مالٍ قائمٍ بالثّوب فلا سبيل إلى أخذه مجّانًا بلا عوضٍ , فيأخذه ويعطيه ما زاد الصّبغ فيه رعايةً للحقّين ونظرًا من الجانبين .
وإن كان الصّبغ ممّا لا يزيد كالسّواد فعند أبي يوسف ومحمّدٍ له قيمة وحكمه حكم سائر الألوان , وعند أبي حنيفة السّواد لا قيمة له عنده فلا يزيد بل ينقص , وعلى هذا الأساس لو اختار صاحب الثّوب أخذه لا يعطيه شيئًا نظير الصّبغ بل يضمّنه نقصان الثّوب عند أبي حنيفة .
وإذا أمر رجلًا أن يحمّر له بيتًا فخضّره قال محمّد: أعطيه ما زادت الخضرة فيه ولا أجرة له , لأنّه لم يعمل ما استأجره عليه رأسًا فلا يستحق الأجرة , ولكن يستحق قيمة الصّبغ الّذي زاد في البيت .