أثر المسّ في حرمة المصاهرة:
16 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ المسّ بغير شهوة لا يؤثّر في حرمة المصاهرة فمن مسّ امرأةً بغير شهوة أو قبّلها فله أن يتزوّج بنتها أو أمّها ويجوز لها الزّواج بأصوله أو فروعه , وكذلك من مسّ أمّ امرأته أو قبّلها بغير شهوة لا تحرم عليه امرأته .
أمّا المس بشهوة فاختلفوا في انتشار الحرمة به فقال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة: إنّ المسّ والمباشرة في غير الفرج والتّقبيل ولو بشهوة لا يحرّم أصول من مسّها أو قبّلها ولا فروعها , زوجةً كانت أم أجنبيّةً لعموم قوله تعالى: { وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } .
وذهب الحنفيّة إلى أنّ المسّ بشهوة يوجب حرمة المصاهرة فمن مسّته امرأة بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها , ولا تحل له أصولها ولا فروعها , وحرم عليها أصوله وفروعه , ومن مسّ أو قبّل أمّ امرأته بشهوة حرمت عليه امرأته .
وقال الحنفيّة: إنّ الأسباب الدّاعية إلى الوطء في إثبات الحرمة كالوطء في إثباتها , وإنّ المسّ والنّظر سبب داع إلى الوطء فيقام مقامه في موضع الاحتياط ثمّ المس بشهوة أن تنتشر الآلة ثمّ شرط الحرمة بالنّظر أو المسّ أن لا ينزل , فإن أنزل لا تثبت الحرمة , واشترط الحنفيّة الشّهوة حال المسّ , فلو مسّ بغير شهوة ثمّ اشتهى بعد ذلك المسّ لا تحرم عليه , إذ تبيّن أنّ المسّ بالإنزال غير مفض إلى الوطء , والمس المفضي إليه هو المحرّم , ومعنى قولهم: المس بشهوة لا يوجب الحرمة بالإنزال هو أنّ الحرمة عند ابتداء المسّ بشهوة كان حكمها موقوفًا إلى أن تبيّن بالإنزال فإن أنزل لم تثبت وإلّا ثبتت .
واستدلوا بقوله تعالى: { وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم } , قالوا: المراد من النّكاح الوطء , والمس والتّقبيل بشهوة داع إلى الوطء فيقام مقامه احتياطًا للحرمة .
أثر المسّ في الظّهار:
17 -ذهب الحنفيّة وأكثر المالكيّة وهو إحدى الرّوايتين عن الإمام أحمد إلى حرمة دواعي الوطء من مس أو مباشرة أو تقبيل قبل التّكفير في الظّهار لقوله تعالى: { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } .
دلّت الآية على أنّه أمر المظاهر بالكفّارة قبل التّماسّ , والتّماس يصدق على المسّ باليد وغيرها من أجزاء الجسم , كما يصدق على الوطء , والوطء قبل التّكفير حرام بالاتّفاق , فالمس باليد وما في معناه يكون حرامًا مثله ولأنّ المسّ والتّقبيل بشهوة والمباشرة دون الفرج تدعو إلى الوطء , ومتى كان الوطء حرامًا كانت الدّواعي إليه حرامًا أيضًا بناءً على القاعدة الفقهيّة"ما أدّى إلى الحرام حرام".
وذهب الشّافعيّة في الأظهر وبعض المالكيّة وأحمد في الرّواية الثّانية إلى إباحة الدّواعي في الوطء , ووجه ذلك: أنّ المراد من المسّ في قوله تعالى: { مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } الجماع: وذلك كما في قوله تعالى: { وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ } , فلا يحرم ما عداه من المسّ بشهوة والمباشرة والتّقبيل فيما دون الفرج , ولأنّ تحريم الوطء بالظّهار يشبه تحريم الوطء بالحيض من ناحية أنّ كلًا منهما وطء محرّم ولا يخل بالنّكاح , وتحريم الوطء في الحيض لا يقتضي تحريم الدّواعي إليه , فكذلك تحريم الوطء بالظّهار لا يقتضي تحريم الدّواعي إليه بالقياس عليه .
مس الذّكر في نقض الوضوء:
18 -يرى جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة وأحمد في رواية وهو الصّحيح من مذهبه وعليه جماهير أصحابه أنّ مسّ الذّكر ينقض الوضوء .
وقال مالك والشّافعي: لا ينقض مسه إلّا بباطن كفّه ولا ينقض بظهر الكفّ لأنّ ظاهر الكفّ ليس بآلة المسّ فأشبه ما لو مسّه بفخذه .
ولا فرق عند الحنابلة بين بطن الكفّ وظاهره .
وللتّفصيل يراجع ( مصطلح وضوء ) .
مس الأجنبيّ أو الأجنبيّة:
19 -ذهب جمهور الفقهاء في الجملة إلى عدم جواز مسّ الرّجل شيئًا من جسد المرأة الأجنبيّة الحيّة , سواء كانت شابّةً أم عجوزًا غير أنّ الحنفيّة قالوا: لا بأس بمصافحة العجوز ومسّ يدها لانعدام خوف الفتنة .
واستدلّ الجمهور بحديث عائشة رضي اللّه عنها قالت: « ما مسّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيده امرأةً قط » , ولأنّ المسّ أبلغ من النّظر في اللّذّة وإثارة الشّهوة .
وقال الشّافعيّة: لا يحل لرجل مس وجه أجنبيّة وإن حلّ نظره بنحو خطبة أو شهادة أو تعليم, ولا لسيّدة مس شيء من بدن عبدها وعكسه وإن حلّ النّظر .
مس المرأة للعلاج:
20 -ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يجوز للطّبيب المسلم إن لم توجد طبيبة أن يداوي المريضة الأجنبيّة المسلمة وينظر منها ويمسّ ما تلجئ الحاجة إلى نظره , ومسّه فإن لم توجد طبيبة ولا طبيب مسلم جاز للطّبيب الذّمّيّ ذلك , وتقدّم المرأة الكافرة مع وجود طبيب مسلم لأنّ نظر الكافرة ومسّها أخف من الرّجل . ويجوز للطّبيبة أن تنظر وتمسّ من المريض ما تدعو الحاجة الملجئة إلى نظره ومسّه إن لم يوجد طبيب يقوم بمداواة المريض , وقد اشترط بعض الفقهاء شروطًا لذلك .
فقال الشّافعيّة: ويباحان أي النّظر والمس لفصد وحجامة وعلاج للحاجة لكن بحضرة مانع خلوة كمحرم أو زوج أو امرأة ثقة لحلّ خلوة رجل بامرأتين ثقتين , وشرط الماورديّ أن يأمن الافتنان ولا يكشف إلّا قدر الحاجة .