ونقل الزّركشي عن مالكٍ أنّه كره أن يبني مسجدًا ويتّخذ فوقه مسكنًا يسكن فيه بأهله , قال الزّركشي: وفي فتاوى البغويّ ما يقتضي منع مكث الجنب فيه لأنّه جعل ذلك هواء المسجد وهواء المسجد حكمه حكم المسجد .
بناء المسجد بمتنجّس:
13 -نقل الزّركشي عن القاضي أبي الطّيّب الطّبريّ قوله: لا يجوز بناء المسجد باللّبن المعجون بالماء النّجس بناءً على نجاسته ويطهر بالغسل ظاهره دون باطنه على الجديد الأصحّ .
ترميم المساجد:
14 -للتّرميم في اللغة معان , منها: الإصلاح , يقال: رمّمت الحائط وغيره ترميمًا: أصلحته , ويقال: رمَّمْت الشّيء أرُمُّه وأرِمُّه رَمًّا ومرمَّةً إذا أصلحته .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ .
والتّرميم قد يكون بقصد التّقوية إذا كان الشّيء معرّضًا للتّلف , وقد يكون بقصد التّحسين . وترميم المساجد لا يخرج في معناه أو الغرض منه عمّا سبق .
15 -وترميم المساجد من عمارتها المأمور بها شرعًا , والعمارة فرض كفاية إن قام بها بعض المسلمين سقط الإثم عن الباقين . قال اللّه تعالى: { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ } .
قال القرطبي: أثبت الإيمان في الآية لمن عمّر المساجد بالصّلاة فيها وتنظيفها وإصلاح ما وهي منها وآمن باللّه .
وقال القليوبيّ: عمارة المسجد هي البناء والتّرميم والتّجصيص للإحكام ونحو ذلك , وأجرة القيّم ومصالحه تشمل ذلك .
وقال: لو زاد ريع ما وقف على المسجد لمصالحه أو مطلقًا ادّخر لعمارته , وله شراء شيء به ممّا فيه زيادة غلّته ولو زاد ريع ما وقف لعمارته ولم يشتر منه شيء , ويقدّم عمارة عقاره على عمارته وعلى المستحقّين وإن لم يشترطه الواقف , كذا في العباب . وللتّفصيل ( ر: وقف )
تزويق المساجد:
16 -ذهب الحنفيّة إلى أنّه لا بأس بنقش المسجد خلا محرابه فإنّه يكره لأنّه يلهي المصلّي, وكرهوا التّكلف بدقائق النقوش ونحوها خصوصًا في جدار القبلة .
وقيل: يكره في المحراب دون السّقف وظاهره أنّ المراد بالمحراب جدار القبلة .
والمراد بالنّقش هنا ما كان بالجصّ وماء الذّهب لو كان بمال النّاقش , أمّا لو كان من مال الوقف فهو حرام ويضمن متولّيه لو فعله .
وإن اجتمعت أموال المسجد وخاف المتولّي الضّياع بطمع الظّلمة لا بأس به حينئذ .
وليس بمستحسن كتابة القرآن على المحاريب والجدران ممّا يخاف من سقوط الكتابة وأن توطأ , ولا يجوز للقيّم شراء المصلّيات لتعليقها بالأساطين ويجوز للصّلاة عليها , ولكن لا تعلّق بالأساطين ولا يجوز إعارتها لمسجد آخر , قال في القنية: هذا إذا لم يعرف حال الواقف , أمّا إذا أمر بتعليقها وأمر بالدّرس فيه وبناه للدّرس وعاين العادة الجارية في تعليقها بالأساطين في المساجد الّتي يدرّس فيها فلا بأس بشرائها بمال الوقف في مصلحته إذا أحتيج إليها ولا يضمن إن شاء اللّه تعالى .
وكره المالكيّة تزويق حيطان المسجد وسقفه وخشبه والسّاتر بالذّهب والفضّة إذا كان بحيث يشغل المصلّي وإلّا فلا , كما يكره كذلك عندهم تزويق القبلة بالذّهب وغيره , وكذلك الكتابة فيها , وأمّا إتقان المسجد بالبناء والتّجصيص فمندوب .
وعند الشّافعيّة: قال الزّركشي: يكره نقش المسجد , ولا شكّ أنّه لا يجوز صرف غلّة ما وقف على عمارته في ذلك , وعبارة القاضي الحسين: لا يجوز صرفها إلى التّجصيص والتّزويق , وقد روي أنّ ابن مسعود رضي اللّه عنه مرّ بمسجد مزخرف فقال: لعن اللّه من زخرفه أو قال لعن اللّه من فعل هذا المساكين أحوج من الأساطين .
وما يفعله جهلة النظّار من ذلك سفهٌ مضمّن أموالهم .
وقال البغويّ في شرح السنّة: لا يجوز تنقيش المسجد بما لا إحكام فيه , وقال في الفتاوى فإن كان في إحكام فلا بأس , فإنّ عثمان رضي اللّه عنه بنى المسجد بالقَصّة - الجصّ والجير - والحجارة المنقوشة , قال البغويّ: ومن زوّق مسجدًا أي تبرعًا لا يعد من المناكير الّتي يبالغ فيها كسائر المنكرات , لأنّه يفعله تعظيمًا لشعائر الإسلام , وقد سامح فيه بعض العلماء , وأباحه بعضهم , ثمّ قال في موضع آخر: لا يجوز نقش المسجد من غلّة الوقف ويغرم القيمة إن فعله , فلو فعله رجل بماله كره , ولأنّه يشغل قلب المصلّين . وأطلق غيره عدم الجواز , لأنّه بدعة منهي عنه , ولأنّ فيه تشبهًا بالكفّار , فقد ورد مرفوعًا: « ما ساء عمل قوم قط إلّا زخرفوا مساجدهم » .
وإذا وقف على النّقش والتّزويق لا يصح على الأصحّ لأنّه منهي عنه , ولأنّه من أشراط السّاعة , لأنّه ممّا يلهي عن الصّلاة بالنّظر إليه , وقيل: يصح لما فيه من تعظيم المسجد وإعزاز الدّين .
ويكره زخرفتها , قال ابن عبّاس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنّصارى , وعن أنس رضي اللّه عنه: أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: « لا تقوم السّاعة حتّى يتباهى النّاس في المساجد » .
وورد أنّ عمر رضي اللّه عنه أمر ببناء مسجد وقال:"أكِنَّ النّاس من المطر وإيّاك أن تحمّر أو تصفّر فتفتن النّاس", وقال أبو الدّرداء: إذا حليتم مصاحفكم وزخرفتم مساجدكم فالدَّبار الهلاك عليكم , وقال علي رصّي اللّه عنه: إنّ القوم إذا رفعوا مساجدهم فسدت أعمالهم .