ويكره أن يكتب في قبلة المسجد آية من القرآن أو شيئًا منه قاله مالك , وجوّزه بعض العلماء وقال: لا بأس به لقوله تعالى: { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} الآية , ولما روي من فعل عثمان ذلك بمسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم , ولم ينكر ذلك .
وقال الزّركشي: وفي تحلية المساجد بالذّهب والفضّة وتعليق قناديلها وجهان , أصحهما: التّحريم فإنّه لم ينقل عن السّلف , والثّاني: الجواز كما يجوز ستر الكعبة بالدّيباج , ويحل الحرير لإلباس الكعبة , وأمّا باقي المساجد فقال الشّيخ عز الدّين بن عبد السّلام: لا بأس بستر المسجد بالثّياب من غير الحرير , وأمّا الحرير فيحتمل أن يلحق بالتّزيين بقناديل الذّهب والفضّة , ويحتمل أن يكون قولًا واحدًا لأنّ أمره أهون , ولم تزل الكعبة تستر بالحرير فلا يبعد إلحاق غيرها بها . قلت: وفي فتاوى الغزاليّ: لا فرق في الإباحة بين الكعبة وغيرها , لأنّ الحرير إنّما حرّم على الرّجال لا على النّساء فكيف الجمادات والمساجد, ثمّ رأيت في فتاوى قاضي القضاة أبي بكر الشّاميّ أنّه لا يجوز أن يعلّق على حيطان المسجد ستورًا من حرير ولا من غيره , ولا يصح وقفها عليه وهي باقية على ملك الواقف .
ويستحب فرش المساجد وتعليق القناديل والمصابيح , ويقال: أوّل من فعل ذلك عمر ابن الخطّاب رضي اللّه عنه لمّا جمع النّاس على أبي بن كعب في صلاة التّراويح , ولمّا رأى علي رضي اللّه عنه اجتماع النّاس في المسجد على الصّلاة والقناديل تزهر وكتاب اللّه يتلى: قال: نوّرت مساجدنا نوّر اللّه قبرك يا بن الخطّاب , وروي عن ميمونة مولاة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم , « قلت يا رسول اللّه أفتنا في بيت المقدس قال أرض المحشر والمنشر ائتوه فصلوا فيه فإنّ صلاةً فيه كألف صلاة في غيره قلت أرأيت إن لم أستطع أن أتحمّل إليه قال فتهدي له زيتًا يسرج فيه فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه » .
ويقرب من ذلك مذهب الحنابلة فقد قالوا: تحرم زخرفة المسجد بذهب أو فضّة , وتجب إزالته إن تحصّل منه شيء بالعرض على النّار , وأوّل من ذهّب الكعبة في الإسلام وزخرفها وزخرف المساجد الوليد بن عبد الملك .
ويكره أن يزخرف المسجد بنقش وصبغ وكتابة وغير ذلك , ممّا يلهي المصلّي عن صلاته غالبًا , وإن فعل ذلك من مال الوقف حرم فعله , ووجب ضمان مال الوقف الّذي صرفه فيه, لأنّه لا مصلحة فيه , وإن كان من ماله لم يرجع به على جهة الوقف , وفي الغنية: لا بأس بتجصيصه , أي يباح تجصيص حيطانه أي تبييضها , وصحّحه القاضي سعد الدّين الحارثي , ولم يره أحمد , وقال: هو من زينة الدنيا , قال في الشّرح: ويكره تجصيص المساجد وزخرفتها , فعليه يحرم من مال الوقف , ويجب الضّمان لا على الأوّل .
ويصان عن تعليق مصحف وغيره في قبلته دون وضعه بالأرض , قال أحمد: يكره أن يعلّق في القبلة شيء يحول بينه وبين القبلة , ولم يكره أن يوضع في المسجد المصحف أو نحوه.
تعليم الصّبيان في المسجد:
17 -قال ابن الهمام من الحنفيّة: هؤُلاء المكتّبون الّذين يجتمع عندهم الصّبيان في المساجد للتّعليم فإنّه لا يجوز لهم , إذ هم لا يقصدون العبادة بل الارتزاق , ومعلّم الصّبيان القرآن كالكاتب إن كان بالأجر لا يجوز وحسبةً للّه فلا بأس به , ومنهم من فصّل هذا , إن كان لضرورة الحرّ وغيره لا يكره وإلّا فيكره , وسكت عن كونه بأجر أو غيره فينبغي حمله على ما إذا كان حسبةً , فأمّا إن كان بأجر فلا شكّ في الكراهة , وعلى هذا فإذا كان حسبةً ولا ضرورة يكره , لأنّ نفس التّعليم ومراجعة الأطفال لا تخلو عمّا يكره في المسجد .
وقال ابن عابدين: وفي الخلاصة تعليم الصّبيان في المسجد لا بأس به .
وكره المالكيّة تعليم الصّبيّ في المسجد إلّا أنّ ابن القاسم روى إن بلغ الصّبي مبلغ الأدب فلا بأس أن يؤتى به المسجد , وإن كان صغيرًا لا يقر فيه ويعبث فلا أحب ذلك .
والمذهب عندهم منع تعليم الصّبيان فيه مطلقًا سواء كان مظنّةً للعبث والتّقدير أم لا , لأنّ الغالب عدم تحفظهم من النّجاسة .
وأمّا إحضار الصّبيّ المسجد فأجازوه حيث لا يعبث به ويكف عن العبث إذا نهي عنه , فإن كان من شأنه العبث أو عدم الكفّ فلا يجوز إحضاره فيه , لحديث: « جنّبوا مساجدكم مجانينكم وصبيانكم » .
ونقل الزّركشي عن القفّال أنّه سئل عن تعليم الصّبيان في المسجد ؟ فقال: الأغلب من الصّبيان الضّرر بالمسجد فيجوز منعهم .
وقال الجراعيّ الحنبلي: يسن أن يصان المسجد عن عمل صنعة , ونقل عن السّامريّ قوله: سواء كان الصّانع يراعي المسجد أو لم يكن , وقال في رواية الأثرم: ما يعجبني مثل الخيّاط والإسكاف وما أشبهه وسهّل في الكتابة فيه .
وقال القاضي سعد الدّين: خصّ الكتابة لأنّها نوع تحصيل للعلم فهي في معنى الدّراسة , وهذا يوجب التّقيد ممّا لا يكون تكسبًا .
ونقل الجراعيّ عن ابن الصّيرفيّ أنّه قال في النّوادر: لا يجوز التّعليم في المساجد .
وقال أبو العبّاس في الفتاوى المصريّة: لا يجوز - وقد سئل عنها - يصان المسجد ممّا يؤذيه ويؤذي المسلمين حتّى رفع الصّبيان أصواتهم فيه , كذلك توسيخهم لحصره ونحو ذلك, لا سيّما إن كان ذلك وقت الصّلوات فإنّه من أعظم المنكرات , وقال في موضع آخر منها: وأمّا تعليم الصّبيان في المسجد بحيث يؤذون المسجد فيكونون يرفعون أصواتهم ويشغلون المصلّي فيه فهذا ممّا يجب النّهي عنه والمنع منه .