وأضاف الجراعيّ: وقال صاحب الفروع - ابن مفلح - عقيب كلام القاضي سعد الدّين المتقدّم وينبغي أن يخرّج على هذا تعليم الصّبيان للكتابة في المسجد بالأجرة , وتعليمهم تبرعًا جائز كتلقين القرآن , وتعليم العلم , وهذا كله بشرط أن لا يحصل ضرر وما أشبه ذلك.
رفع الصّوت في المسجد والجهر فيه:
18 -قال الحنفيّة بكراهة رفع الصّوت بذكر في المسجد إلّا للمتفقّه , وفي حاشية الحمويّ عن الشّعّرانيّ: أجمع العلماء سلفًا وخلفًا على استحباب ذكر الجماعة في المساجد وغيرها, إلّا أن يشوّش جهرهم على نائم أو مصل أو قارئ .
وصرّحوا بكراهة الكلام المباح في المسجد وقيّده في الظّهيريّة بأن يجلس لأجله لأنّ المسجد ما بني لأمور الدنيا .
وفي صلاة الجلّابيّ - كما نقل عنه ابن عابدين - الكلام المباح من حديث الدنيا يجوز في المساجد وإن كان الأولى أن يشتغل بذكر اللّه تعالى , وقال ابن عابدين في تعليقه على قول الجلّابيّ: فقد أفاد أنّ المنع خاصٌّ بالمنكر من القول أمّا المباح فلا .
وقال المالكيّة: يكره رفع الصّوت في المسجد بذكر وقرآن وعلم فوق إسماع المخاطب ولو بغير مسجد , ومحل كراهة رفع الصّوت في المسجد ما لم يخلّط على مصل وإلّا حرم , بخلاف مسجد مكّة ومنى فيجوز رفع الصّوت فيهما على المشهور .
وقال الزّركشي: يكره اللّغط ورفع الصّوت في المسجد .
وقال ابن مفلح: يسن أن يصان عن لغطٍ وكثرة حديثٍ لاغ ورفع صوت بمكروه , وظاهر هذا أنّه لا يكره ذلك إذا كان مباحًا أو مستحبًا .
ونقل عن الغنية أنّه يكره إلّا بذكر اللّه تعالى .
ونقل عن ابن عقيل أنّه لا بأس بالمناظرة في مسائل الفقه والاجتهاد في المساجد إذا كان القصد طلب الحقّ , فإن كان مغالبةً ومنافرةً دخل في حيّز الملاحاة والجدال فيما لا يعني ولم يجز في المسجد , وأمّا الملاحاة في غير العلوم فلا تجوز في المسجد .
ونقل عنه أيضًا أنّه يكره كثرة الحديث واللّغط في المساجد .
التّقاضي في المسجد:
19 -أجاز الحنفيّة والحنابلة التّقاضي في المسجد , فللقاضي أن يجلس فيه للفصل في الخصومات جلوسًا ظاهرًا « فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يفصل بين الخصوم في المسجد » , وكذا الخلفاء الرّاشدون من بعده , ولئلّا يشتبه على الغرباء مكانه فإن كان الخصم حائضًا أو نفساء خرج القاضي إلى باب المسجد فنظر في خصومتها أو أمر من يفصل بينهما كما لو كانت المنازعة في دابّة فإنّه يخرج لاستماع الدّعوى والإشارة إليها في الشّهادة .
وللمالكيّة طريقتان: الأولى استحباب الجلوس في الرّحاب وكراهته في المسجد , والثّانية استحباب جلوسه في نفس المسجد .
وكره الشّافعيّة للقاضي أن يجلس للقضاء في المسجد , لما روي أنّ معاذًا رضي اللّه عنه قال: قال النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم: « جنّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ورفع أصواتكم وخصوماتكم وحدودكم وسلّ سيوفكم وشراءكم وبيعكم » .
وتفصيل ذلك في مصطلح ( قضاء ف / 38 ) .
إقامة الحدود والتّعازير فيه:
20 -اتّفق الفقهاء على أنّه لا تقام الحدود في المساجد لقول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: « جنّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ورفع أصواتكم وشراءكم وبيعكم وإقامة حدودكم وجمّروها في جمعكم وضعوا على أبوابها المطاهر » .
ولأنّه لا يؤمن خروج النّجاسة من المحدود فيجب نفيه عن المسجد إذ بالضّرب قد ينشقّ الجلد فيسيل منه الدّم فيتنجّس المسجد .
والتّفصيل في مصطلح ( حدود ف / 44 ) .
الأكل والنّوم في المسجد:
21 -كره الحنفيّة الأكل في المسجد والنّوم فيه وقيل: لا بأس للغريب أن ينام فيه , وأمّا بالنّسبة للمعتكف فله أن يشرب ويأكل وينام في معتكفه لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن يأوي في اعتكافه إلّا إلى المسجد , ولأنّه يمكن قضاء هذه الحاجة في المسجد فلا ضرورة إلى الخروج .
وأجاز المالكيّة إنزال الضّيف بمسجد بادية وإطعامه فيه الطّعام النّاشف كالتّمر لا إن كان مقذّرًا كبطّيخ أو طبيخ فيحرم إلّا بنحو سفرة تجعل تحت الإناء فيكره , ومثل مسجد البادية مسجد القرية الصّغيرة وأمّا التّصنيف في مسجد الحاضرة فيكره ولو كان الطّعام ناشفًا كما هو ظاهر كلامهم .
كما أجازوا النّوم فيه بقائلة أي نهارًا وكذا بليل لمن لا منزل له أو عسر الوصول إليه .
أمّا المعتكف: فاستحبوا له أن يأكل في المسجد أو في صحنه أو في منارته وكرهوا أكله خارجه , وأمّا النّوم فيه مدّة الاعتكاف فمن لوازمه , إذ يبطل اعتكافه بعدم النّوم فيه .
وقال الشّافعيّة: يجوز أكل الخبز والفاكهة والبطّيخ وغير ذلك في المسجد , فقد روي عن عبد اللّه بن الحارث بن جزء الزبيديّ قال: « كنّا نأكل على عهد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في المسجد الخبز واللّحم » .
قال: وينبغي أن يبسط شيئًا خوفًا من التّلوث ولئلّا يتناثر شيء من الطّعام فتجتمع عليه الهوام , هذا إذا لم يكن له رائحة كريهة , فإن كانت كالثوم والبصل والكرّاث ونحوه فيكره أكله فيه ويمنع آكله من المسجد حتّى يذهب ريحه , فإن دخل المسجد أخرج منه لحديث:
« من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته » .
وقالوا أيضًا بجواز النّوم في المسجد فقد نصّ عليه الشّافعي في الأمّ , فعن نافع أنّ عبد اللّه بن عمر أخبره: « أنّه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم » , وأنّ عمرو بن دينار قال: كنّا نبيت على عهد ابن الزبير في المسجد وأنّ سعيد بن المسيّب والحسن البصريّ وعطاءً والشّافعيّ رخّصوا فيه .