أمّا المعتكف فأكله ومبيته في مسجد اعتكافه , وأجيز له أن يمضي إلى البيت ليأكل فيه , ولا يبطل اعتكافه وهو المنصوص عليه عند الشّافعيّة لأنّ الأكل في المسجد ينقص من المروءة فلم يلزمه .
وعند الحنابلة قال ابن مفلح: لا يجوز دخول المسجد للأكل ونحوه , ذكره ابن تميم وابن حمدان , وذكر في الشّرح والرّعاية وغيرهما بأنّ للمعتكف الأكل في المسجد وغسل يده في طست , وذكر في الشّرح في آخر باب الأذان: أنّه لا بأس بالاجتماع في المسجد والأكل فيه والاستلقاء فيه .
وقال ابن قدامة: لا بأس أن يأكل المعتكف في المسجد ويضع سفرةً يسقط عليها ما يقع منه كيلا يلوّث المسجد .
الغناء والتّصفيق والرّقص في المسجد:
22 -قال ابن مفلح: يسن أن يصان المسجد عن الغناء فيه والتّصفيق .
وأمّا لعبُ الحبشة بِدَرَقهم وحرابهم في المسجد يوم عيد وجعل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يستر عائشة وهي تنظر إليهم وقوله لهم: « دونكم يا بني أرفدة » "بنو أرفدة: جنس من الحبشة يرقصون", فقد قال النّووي في شرح مسلم: فيه جواز اللّعب بالسّلاح ونحوه من آلات الحرب في المسجد , ويلحق به ما في معناه من الأسباب المعينة على الجهاد , وفيه بيان ما كان عليه صلّى اللّه عليه وسلّم من الرّأفة والرّحمة وحسن الخلق والمعاشرة بالمعروف .
ولمسلم وغيره: « جاء حبشٌ يزفنون"أي يرقصون"في يوم عيد في المسجد » , ونقل ابن مفلح عن شرح مسلم: حمله العلماء على التّوثب بسلاحهم ولعبهم بحرابهم على قريب من هيئة الرّاقص لأنّ معظم الرّوايات إنّما فيها لعبهم بحرابهم فتتأوّل هذه اللّفظة .
وعن أبي هريرة قال: « بينما الحبشة يلعبون عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بحرابهم إذ دخل عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه فأهوى إلى الحصباء يحصبهم فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دعهم يا عمر » , قال في شرح مسلم وهو محمول على أنّه ظنّ أنّ هذا لا يليق بالمسجد وأنّ النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام لم يعلم به .
قال المهلّب بن أبي صفرة شارح البخاريّ: المسجد موضوع لأمر جماعة المسلمين , وكل ما كان من الأعمال الّتي تجمع منفعة الدّين وأهله , واللّعب بالحراب من تدريب الجوارح على معاني الحروب فهو جائز في المسجد وغيره .
الخروج من المسجد بعد الأذان:
23 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ من دخل مسجدًا قد أذّن فيه يكره له أن يخرج منه حتّى يصلّي إلّا لعذر كانتقاض طهارة أو خوف فوات رفقة , وقال الحنفيّة: وكذلك إذا كان ممّن ينتظم به أمر جماعة , لقوله عليه الصّلاة والسّلام: « لا يخرج من المسجد بعد النّداء إلّا منافق إلّا رجل يخرج لحاجته وهو يريد الرّجعة إلى الصّلاة » وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: « من أدركه الأذان في المسجد ثمّ خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرّجعة فهو منافق » , وعن أبي الشّعثاء قال: « كنّا مع أبي هريرة رضي اللّه عنه في المسجد , فخرج رجل حين أذّن المؤذّن للعصر فقال أبو هريرة: أمّا هذا فقد عصى أبا القاسم » .
وأضاف الحنفيّة أنّه إن كان قد صلّى وكانت الظهر أو العشاء فلا بأس بأن يخرج لأنّه أجاب داعي اللّه مرّةً , إلّا إذا أخذ المؤذّن في الإقامة لأنّه يتّهم بمخالفة الجماعة عيانًا , وإن كانت العصر أو المغرب أو الفجر خرج وإن أذّن المؤذّن فيها لكراهة التّنفل بعدها .
وقالوا: إنّ من دخل مسجدًا قد أذّن فيه فإمّا أن يكون قد صلّى أو لا , فإن لم يكن قد صلّى, فإمّا أن يكون مسجد حيّه أو لا , فإن كان مسجد حيّه كره له أن يخرج قبل الصّلاة لأنّ المؤذّن دعاه ليصلّي فيه , وإن لم يكن مسجد حيّه فإن صلّى في مسجد حيّه فكذلك لأنّه صار بالدخول فيه من أهله , وإن لم يصلّ فيه وهو يخرج لأن يصلّي فيه لا بأس به لأنّ الواجب عليه أن يصلّي في مسجد حيّه .
وإن كان قد صلّى وكانت الظهر أو العشاء فلا بأس بالخروج .
وقال الحنابلة: يحرم الخروج من المسجد بعد الأذان بلا عذر أو نيّة رجوع لحديث عثمان بن عفّان رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: « من أدركه الأذان في المسجد ثمّ خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرّجعة فهو منافق » , وقال صالح: لا يخرج, ونقل أبو طالب: لا ينبغي , ونقل ابن الحكم: أحب إليّ أن لا يخرج , وكرهه أبو الوفاء وأبو المعالي وقال ابن تميم: يجوز للمؤذّن أن يخرج بعد أذان الفجر , قال الشّيخ: إن كان التّأذين للفجر قبل الوقت لم يكره الخروج من المسجد قبل الصّلاة .
صلاة النّوافل في المسجد:
24 -ذهب الفقهاء إلى أنّ صلاة النّوافل في البيت أفضل منها في المسجد فقد قال النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم: « عليكم بالصّلاة في بيوتكم فإنّ خير صلاة المرء في بيته إلّا المكتوبة » وقال: « اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتّخذوها قبورًا » , وقال: « أفضل صلاة المرء في بيته إلّا المكتوبة » .
واستثنوا من ذلك ما شرعت له الجماعة كالتّراويح فإنّها تصلّى في المسجد , واستثنى المالكيّة الرّواتب أيضًا .
الصّلاة على الجنازة في المسجد:
25 -اختلف الفقهاء في جواز الصّلاة على الجنازة في المسجد فكرهها الحنفيّة والمالكيّة وأجازها الشّافعيّة والحنابلة .
والمعتمد عند الشّافعيّة أنّها مستحبّة فيه , وقال الحنابلة بجوازها في المسجد وقيّد الحكم بأمن تلويث المسجد , وإلّا كره .
وللتّفصيل انظر مصطلح ( جنائز ف / 38 ) .
السّكن والبناء في المسجد:
26 -ذهب الحنفيّة إلى أنّه ليس لقيّم المسجد أن يجعله سكنًا لأنّه إن فعل ذلك تسقط حرمته.